بين الأنا العليا والمؤمن الأعلى …

  ممدوح بيطار, روبا  منصور

كاريكاتير صحيفة سعودية.. شياطين الجن لـ"شيوخ التطرف": لا أعرفك ولا تعرفنى -  اليوم السابع    شهدت الثمانيات والتسعينيات من القرن الماضي صعود مايسمى الصحوة  الدينيية  , التي ساهمت في خلق شعور عند بعض المؤمنين  المحمديين   بأنهم ليسوا   مسلمين   كما ينبغي عليهم أن   يكونوا!,   ايمانهم  ناقص    !! وعليهم بالتالي أن يصبحوا أكثر ايمانا لكي يصبحوا أكثر قوة وأعلى مكانة,يجب عليهم صناعة “ذاتا اسلامية   جديدة ” , تتميز  بالتقيد  بأصول التدين  والدين  والنصوص وحرفيتها وبأصول ممارسة الطقوس, بعد أن تاهوا في الماضي وابتعدوا عن الدين وأحكامه , وذلك تأكيدا على  أن  المحمدية هي  الحل وأن حياة المؤمن  يجب أن تسبح في بحر من التعاليم والفتاوى ضمانا للتمكن من خلق الذات الجديدة , وعلى هذه الذات الجديدة أطلق  المفكر  التونسي  فتحي بن سلامة   اسم   المسلم  الأعلى تيمنا بالأنا الأعلى عند فرويد .

   كان  المؤمن  الأعلى    تصعيدا لشخصية الاخواني التي بدأت بلورتها في عشرينات القرن الماضي على يد سيد قطب وحسن البنا والجماعة ,التي أسست للصحوة  الدينية ,  التي  ترتكز على عدة ركائز من أهمها العداء للغرب, لأن الغرب اكتشف  الدولة الحديثة اللادينية,التي تعتبر الدين انتماء شخصيا لاعلاقة له بالانتمناء للدولة , التي تحولت الى كيان سياسي بحت ,لاتوريث ولا والي أمر ولا خلافة انما علمانية ومواطنة على أساس الدولة, التي هي أرض ومجتمع وكيان سياسي يربط المواطنين بعقد    اجتماعي يساوي بينهم جميعا أمام القانون , مثل   هذا  التطور  تحديا للشرق المتثبت والمتجمد على فكرة الدولة الدينية .

  صدم   الغرب التأخر العربي -العثماني سابقا عن طريق حملة بونابرت(  الذي  سمي بونابرتي باشا ) على مصر ,فقد  جاء  بونابرتي  باشا بالمطبعة  والعديد   من  العلماء   ,  الذين انشغلوا   بحجر رشيد وأسراره  , الغرب كان لاحقا مصدرا للفكر القومي الذي اصطدم مع   الفكر  الديني , الغرب كان المحرض لمطالبةالمرأة  بحقوقها , والغرب كان مصدر حقوق الانسان التي لاتستقيم مع منظومة حقوق الانسان  الاسلامية   , والغرب  قضى على  الخلافة  العثمانية    بعد  أن الحق الهزيمة بها ثم قسمها ,وهو الذي  رحب  بانقلاب أتاتورك على الدين واللغة والحروف  العربية وعلى المشايخ والطربوش والمحاكم الشرعية , الغرب  كان مصدرا من مصادر الازعاج   للأصولية ,فهوالمنافس والمنتصر أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وعلميا, والغرب أصبح هدف التسول للمحمديين  اللاجئين   واطعامهم  وتأمين السكن والغذء والماء والدواء لهم , أكره أمور الحياة  هي  الاستجداء لدى الخصم المرفوض دينيا  ,انهم الكفرة ولولا الكفرة لمات العديد  من المؤمنين جوعا , وهل هناك مذلة أعظم من هذه المذلة ؟؟.

 شعرت الصحوة الدينية   بعد عام 1953 بالضعف وعدم المقدرة على حشر نفسها في حضارة القرن الحادي والعشرين والقرن العشرين ,     لذا  حاولت الالتفاف والمخاتلة وابتدعت اسم الدولة المدنية الذي بقي يتيما دون مفهوم محدد , اذ لانعرف تماما القصد من هذه الدولة المدنية , الا أنها وبدون أدنى شك ليست دولة روسو أو جان لوك  أو  هوبنز المدنية, القصد من الطروحات المبعثرة عن الدولة المدنية   كان  خلافة   المدينة اي  يثرب ,أي   ابعاد شبح الدولةالعلمانية عن التداول ,وطروحات   الدولة   المدنية   او   دولة  المدينة    أوحت  بأن  هذه الدولة   لم  تكن  الا نسخة سنية عن جمهورية الملالي, تلبيس الدولة المنشودة بلباس “المدنية” لم يكن الا تلفيقة   لفظية , ولكون هذه    التلفيقة واهية     لم  يجد مفهوم  دولة   الصحوة  المدنية-المدينة- مكانا في الأدبيات السياسية والاجتماعية الأكادمية .

 انهيارالسلطنة (الخلافة) العثمانية كان المسبب الرئيسي لولادة الاخوان   السياسي , الذي أراد للأمة المحمدية  أن يكون لها حاملا وحضنا يحتضنها وهو حضن الخلافة المحضون   بالأمبراطورية   الخلافية ,والمسلم  الأعلى كان  الكفيل باعادة بناء هذه الأمبراطورية لاحتواء الأمةالمؤمنة, هنا أصطدم  الاخونج مرة أخرى مع الغرب الذي    رفض     أالأمبراطوريات الدينية  ولم يرفض الأمبراطوريات الاقتصادية أوالسياسية أو العسكرية , الغرب رفض حتى  الامبراطورية الرومانية  والتزم بما أقرته اتفاقيات فستفاليا, التي تعتبر الحجر   الأساسي في بناء الدولة الأوروبية الحديثة .

 لكي يصل  الدين  الى أهدافه عن طريق المؤمن  الأعلى   كان عليه اعادة انعاش ممارسات الجهاد  والموت في سبيل الله, ثم الترويج للزهد في الحياة الدنيا والذي ينقلب الى ترف وحوريات في الحياة الآخرة , على المؤمن الأعلى أن يشعر بالذنب والتقصير وبذلك يحاول معاوضة ذلك عن طريق اعتلائه الى مرتبة   المؤمن الأعلى, كاعتلاء الانسان الى مرتبة الأنا الأعلى المثالية( فرويد) ,فبنظرالاخوان والصحوة  يمثل  المؤمن   الأعلى “مثالية”  الايمان  وأسمى ثم أرقى أشكال الممارسة الدينية.

  ادراك  المؤمن الأعلى لأسباب اكتئابه وشعوره بالذب والحزن المفرط  كان  طفلية قاصرة ,فدواء  المسلم   الأعلى للداء الذي أصابه  وبائيا  ,   كان تكريسا لحالة االاحباط   الشخصي والجماعي , فالموت الطوعي بأشكاله المختلفة كالاستشهاد والذي يراد به صناعة المخلوق الخارق ليس الا خروجا من “الانساني البشري”  ودخولا    في فضاء   الجثث المتحركة ,صناعة الكائن الخارق عن طريق التضحية بالذات ليس الا تلفيقة ومخاتلة, فمن يريد الشهادة قصدا وعمدا انما هو أصلا مصاب بلوثة “كوتار” التي   تقزم    وجوده المادي وتدفعه الى احتقار نفسه واهمال ذاته, وهذا مايدفعه الى التخلي عن الذات واستسهال الموت ,يقال في سبيل الله تكاذبا على الذات , ليس  في سبيل  الله  انما في سبيل الذات والحوريات,فكلما ازداد شقاء الأنسان في هذه الدنيا , ازداد تعلقه بالمعاوضة والانصاف في حياة السماء  الأخرى  ,  لذلك يجب اشقاء الانسان واشعاره بالذنب والقصور  لكي   يمكن دفعه الى التخلص من حياته ألأرضية  , وفي هذا السياق تخلصالعديد من المؤمنين  من حياتهم .

  صناعةالمؤمن الأعلى هي الصناعة التي تجرد الموت الفعلي من دلالاته ومعانيه ,  انها  صناعة التوهم وصناعة الجثث المتحركة , صناعة الالتباس بين الحياة والموت !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *