الفتوحات بين الفرض والرفض ….
م.بيطار ,سمير صادق :
برهنت الفتوحات بالنتيجة عن كونها كغيرها من الحروب الاستعمارية والحروب المقدسة الاستغلالية ! , جوهريا لافرق بين كل اشكال هذه الحروب , من ناحية التبرير لا وجود لحرب احتلال او فتح دون تلفيق , الا أن تبريرات الفتوحات اختلفت بعض الشيئ عن تبريرات الاستعمار التقليدي !.
تعلق الفارق الأساسي الأول بمفهوم الجهاد, الذي روج لنبل وقداسة هذه الفتوحات , ثم التكليف الالهي لنشر الدين الحنيف بالرغم من الاعتراف بأنه لا اكراه في الدين !, لكم دينكم ولي دين! , هنا اصطدم استخدام السيف والعنف في عملية التبشير ونشر الدين مع ادعاء عدم الأكراه , ثم هل يستقيم التبشير بالدين الجديد ونشره مع ممارسة السبي وفرض الجزية ثم اختطاف المصريات والأمازيغيات والاسبانيات وغيرهم من أهل البلدان المفتوحة للعمل كجاريات في قصور الخلافة ولدى من سباهم واختطفهم ؟, وهل تكتمل مكارم الأخلاق بأفعال من هذا النوع ؟.
لم يتضمن التكليف الالهي المزعوم ممارسة كل هذا الاجرام , لذا يمكن ويجب اعتبار الفتوحات عملية سلب ونهب وامتدادا لما مارسته القبائل البدوية في الجزيرة العربية قبل ولادة هذا الدين , اعتاشت القبائل من الغزو ومن غنائم الحرب ,والدين الجديد وحد هذه القبائل عسكريا للقيام ” بالغزو ”خارج الجزيرة العربية , ثم لفق على القبائل المدمنة على الغزو مبررات اضافية كمبرر قدسية نشر الدين وضرورة الجهاد حتى الموت لاكتساب الحياة الأخرى الابدية في السماء بين افخاذ الحوريات , فالموت كان , كما يزعمون, ايضا في سبيل الله, ولا نعرف سببا وجيها لضرورة موت الانسان المخلوق من الله في سبيل الله ومن أجل الانتقال من الحياة الفانية الى الحياة الأبدية والى الانشغال بشكل حصري بفض اغشية البكارة المتجددة في الجنة يوميا عند حور العين بأعداد وأشكال تفوق كل تصور , حتى عذرية الحورية كانت من الثواب المضمون لكل مجاهد في سبيل الله ودينه,وكيف يمكن التعامل مع العذرية عند عدم وجود غشاء أصلا , فالغشاء كالزائدة الدودية ممثل لبقايا جنينية لا وظيفة لها بعد الولادة, وحتى أنه لاوجود بيولوجي لها عند كل المخلوقات المؤنثة .
ما يميز الغزوة عن الاحتلال النفعي الاستعماري كان عامل الفرض الديني لاستكمال تكوين المسلم الأعلى حسب فرضية المفكر التونسي يحيى بن سلامة ,التي تذكرنا بمفهوم “الأنا الأعلى” عند فرويد,لاحظ بن سلامة ارتفاع منسوب عذاب الندم في ان لايكون المؤمن مسلما كما ينبغي, مما يتطلب مزيدا من الممارسات الدينية حتى التضحية بالذات الدنيوية أي الشهادة الملتهبة بالرغبة في التضحية بهدف التحول الى كائن خارق لكنه متميز باضطراب وخلل شديد في التعرف على الحدود بين الأنا واللاانا , بين الواقعي وغير الواقعي , بين الحياة والموت , مما يسهل فعل التضحية بالنفس بعد الغاء الموت الفعلي لمعناه ودلالته وواقعيته ,لايموتون انما احياء عند ربهم يرزقون!.
يبدو الموت الملفق بكونه طوعي أي استشهادي حقيقة فرض اخبث من فرض الحاجة المادية عند الاستعمار التقليدي مثل استعمار انكلترا للهند وغير الهند , وتبدو الحاجة النفعية عند الشكل التقليدي من الاستعمار محدودة , بعكس الفرض الديني الأكثر شمولية , لأن الفرض الديني مهتم بالانسان اينما كان , لذا فانه من واجب المسلم الأعلى ادخال كل انسان في خانة الدين الحنيف , لأن هذا الدين هو دين الله الوحيد , وكل مخلوق بشري بحاجة الى هذا الدين لضمان الخلاص الى الحياة الأخرى الأبدية, هنا نسأل عن ضرورة ركن الجهاد الأساسي في الدين , عندما تتحول البشرية جمعاء الى دين الله الأوحد, عندها يفقد الجهاد نظريا ضرورته !, وهل يمكن للدين ان يبقى حيا على الأرض بعد فقدانه لركن من اركانه او أكثر من ركن , أو أن رجال الدين سيخترعون موجبات جديدة لاستمرار الجهاد !.
يبدو عمليا أن الحاجة للجهاد اي للغزو ستكون مستمرة , ولا يقف في وجههاسوى عدم التمكن من ممارستها ,لذلك توقفت الفتوحات الخارجية ولم يبق من ثقافتها الا التباكي عليها , العالم بعكس ذلك فرح جدا لانعدام المقدرة على القيام بالفتوحات الخارجية , تصوروا امتلاك عدة مئات الملاين من العرب البدو لامكانيات عددا مشابها من ملايين الأمريكان عسكريا واقتصاديا وسياسيا , فكيف سيصبح حال العالم عندئذ ؟؟,عدم التمكن خارجيا حول ركن الجهاد الى الداخل الذي نعايشه الآن كصراعات لاتنتهي بين المؤمنين بشكل اكبر واعنف من الجهاد ضد الكفرة .
يجب النظر الى الفتوحات كواقع تاريخي يتأرجح بين الوحي من جهة والواقع من جهة أخرى , وعلى البشر واجتهادهم اللجوء الى الوحي تارة والى الواقع تارة أخرى أو الى الاثنين معا حسب الحاجة وحسب الظروف , فاللجوء الى الوحي ينفي الحاجة لمبررات اضافية , لأن كلام الله هو بحد ذاته المبرر لنفسه ولاحاجة لكلام الله أن يكون منطقيا حسب المعايير الدينية ,لأن كلام الله أصلا هو المعيار لكل شيئ !.
علاقة الواقع مع الوحي كانت علاقة تكافل وتضامن وتكامل , الوحي دعم الواقع حسب الضرورة والظروف , فواقع التهديد الافتراضي البيزنطي للخلافة كان له تأثيرا كبيرا على غزوة بلاد الشام ,بينما لم يكن للوحي من تأثير كبير على غزوة بلاد فارس , هنا لعبت شهوة السرقة او الاستحواذ على كنوز كسرى الدور الرئيسي , كذلك كان امر اسبانيا بعد جولة الاستكشاف التي قام بها الامازيغي طريف فيها , حيث برهن عن وجود ما يمكن سرقته في شبه الجزيرة الايبيرية ,الأمر كان بخصوص حوض النيل وبلاد ما بين النهرين وغيرهم مشابه.
لقد كان بين الواقع والوحي نوعا من التوازن بخصوص ماديات بيوت المال , الوحي اراد اسلمة جميع الكفرة , بينما اراد الواقع وجود كفرة , لأن الكفرة والجزية التي عليهم دفعها وهم صاغرون كانوا المصدر الرئيسي لمالية الكيان المحمدي الى جانب النهب والسرقة وغنائم الحرب , لم يملك الغزاة وسائل تمويل أخرى كالبترول او الصناعات او حتى الزراعة التي كانت مزدهرة قبل الفتوحات, فالرومان اهتموا بالزراعة وبنوا قنوات الري واقاموا الجسور على الأنهر التي لاتزال تستعمل لحد الآن مثل الجسور على نهر الخابور , اعتنوا بكل اوجه الحياة الأخرى مثل الفكر كالحقوقي بانيبال والفيلسوف الرواقي زينون والعديد غيرهم , وبخصوص الفن بنوا في سوريا ١٨ من اكبر مسارح العالم , وفي حقبة ماقبل المحمدية كتبت اول نوتة موسيقية ,واخترع الحرف والعجلة والمحراث والكثير غير ذلك , كانت هناك حياة قبل الفتوحات , وبعد الفتوحات أتى الموت على يدالشريعة واحكام العهدة العمرية العنصرية المجرمة , التي لامثيل لها في التاريخ البشري!.
علاقة الدين مع كيان الخلافة كانت علاقة اعتمادية متبادلة ,هناك الدين ورجاله والكيان الديني وخلفاء ابن عبد الله , طرف يعتمد على الآخر ,وبذلك سيطر الطرفان (اقتسام السلطة بين الدين والكيان ),اي ان الخلافة كانت دين ودولة , ألغيت ثنائية التحكم ليحل محلهاوحدانية التحكم وديكتاتوريته ,مزج الدين مع الكيان في الخلافة الواحدة تمكن من تحويل الفتح ظاهريا الى “واجب”ديني بدلا من تمظهره عمليا “كحاجة “استعمارية , الفتح قناع لنشاط استعماري أشد خبثا من النشاط الاستعماري التقليدي, الذي يخضع الى أحكام الحاجة أكثر من خضوعه الى أحكام الواجب!, بذلك عاد عصر الحجر , الذي لم يقض عليه لحد الآن .
Post Views: 135