الايمان واختذال الانسان الى بعد واحد …….

ممدوح  بيطار ,  سمير  صادق  :

        لاتنحصر مشاكل    الدين   في   الاعتدال   اوالتطرف   او    التدين  الشكلي  الخ , بل  تشمل    العديد   من  النواحي   الأخرى  مثل  اعتبار الدين مصدرا لقوانين الأرض  اي  التشريع ,ثم اعتبار   جوهر   الدين    ظاهرة اجتماعية وليس  مسألة  شخصية !,أصلا لايمكن للدين    ان يكون اجتماعيا ,انما    تعبيرا   عن   علاقة   الشخص   بالغيب  الديني  , لا يجوز  للمسألة   الشخصية الدينية   أن  تملأ   المجتمع , أي أن تعتبر ظاهرة أجتماعية , فعندما يملأ الدين المجتمع يغلق الباب أمام امتلاءالحياة  بالمواد الاجتماعية الضرورية    المناسبة   للعصر  (زمان  ومكان)   ,مثل السياسة   والضمانات الاجتماعية  وفصل  السلطات  والمساواة   والديموقراطية  والحرية    الخ  .

          المجتمع بطبيعته متنوع ,ثم  هناك فرقا كبيرا بين أشخاص  المجتمع   ,الذين   يعيشون  مع  بعضهم  البعض , وبين جماعة  الأشخاص   ,الذين   يعيشون   الى   جانب   بعضهم   البعض , النوع الأول قادر على اقامة الدولة ورعايتها ,  أما النوع الثاني   فهو  خاص بالعشيرة او مايسمى    ماقبل الدولة ,اي أنه  غير  قادر  على  بناء  دولة وادارتها , النوع الأول مؤهل لفتح مجالات تفاعل البشر مع القضايا السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية الخ ,   جماعة الاشخاص غير مؤهلة لذلك ,ففي   العشيرة الممثلة  لما  قبل   الدولة   لايتفاعل   زعيمها مع الغير ,  انما  يفرض  مايريد وعلى القطيع  الطاعة  والانصياع   ,  الدين الفارض   للايمان   ثم   الطاعة  والانصياع   عشائري   بطبيعته, خاصة ذلك الدين الذي يتدخل في الصغيرة والكبيرة من حياة الناس كما يفعل زعيم العشيرة أو القبيلة  ,  بنية العشيرة   لاتبني   دولة   , ومن هنا اتى شعار الدين لله والوطن للجميع , او شعار فصل الدين عن الدولة ,  روح العشيرة مختلفة عن روح الدولة , زرع روح العشيرة في قلب الدولة قاتل للدولة وقلبها.

          الدين ثوابت ومقدسات , وبالثوابت والمقدسات يتدخل الدين  في شؤون المجتمع  الخاصة والمتغيرة من زمن لأخر  , وعادة تفشل   الثوابت   الدينية   في التعامل  مع المتحولات   الاجتماعية  ,اي يفشل الدين على نفسه , أي   على سعيه   تثبيت  المتحول   وتجميده   على شاكلته , هنا  يتحول الدين من كونه خادما للانسان الى مخدوم من الانسان ,من   يرفض التحول   الى   خادم   يرفض   الثوابت ويحاول   الغائها مفسحا   المجال   للتطور   ,  اي الغاء   دور   الدين اجتماعيا , وماذا يبقى من الدين بعد الغاء ثوابته أو تخلي الدين عن ثوابته الممثلة لمبادئه؟؟؟   لايبقى منه شيئا ويتحول الى فائض لا لزوم له اي أنه    يلغي  نفسه .

         لايملك الدين المقدرة على الغاء نفسه بسهولة , لأنه لايقتدر على الغاء ثوابته التي يعتاش رجاله عليها ومنها ,  ولا مجال لتحول الدين الى منظومة سياسية ديناميكية تطورية كما حدث في اوروبا بما يسمى “الدين الاجتماعي” ,الدين الذي يملأ الحياة أو يريد ملأ الحياة , كما هو حال هذه المنطقة , لن يعيش  سلميا سوى بالانزواء في فضاء المعابد ,واذا لم يوضع   في  قفص   المعابد سيقاتل وستسيل الدماء , توضع الدين في المعابد هو تحرير  وحماية   له , وأسره في الحياة المدنية وتقلباتها هو تأزيم له الى حد تدميره أي تدمير اتباعه ,ألدين المتأزم يؤزم  اتباعه  !.

          عندما يمتلئ المجتمع بالدين , يتقدم الايمان على كل شيئ , لابل يصبح الايمان الاعتبار الوحيدالمعتمد  في  ” الحياة ” الجامدة , اي  الميتة   عمليا, والتي يحاول الدين   ابقائها   شكليا   حية , ولا   سبيل   لذلك الا   بالفرض   , ولا  سبيل   للفرض   سوى  بالعنف ,  أي أن  الدين   عمليا   هو   مصدرا  رئيسيا   للعنف ,  لأن العنف هو اسلوب تفاعل  ايمان مع ايمان آخر ,الايمان   لايتكلم    لغة   الحوار  ولا   يمارس   الاقناع ,بل الفرض ,الذي  يلغي العقل وموضوعيته  , الايمان ترجمة لمفهوم اما قاتل او مقتول , وهل يمكن تحقيق صيغة اما قاتل او مقتول بدون عنف ؟.

      عندما يمتلئ المجتمع بالدين , تختصر الهويات , لتتحول الى هوية واحدة مصدرها الدين او المذهب , عندها تصبح الهوية الدينية كل الهوية , الهوية الدينية ايمانية ومن حتمياتها محاولة الغاء الهويات الأخرى وخلق انسان واحد هو المؤمن باتجاه واحد , انها صناعة الانسان ذو البعد الواحد , الذي يلغي خاصة الخيار,  لافائدة  من  الديموقراطية  في ادارة  الجماعات   الدينية   اي   الطوائف  ,ولم توجد   الديموقراطية لادارة حياة   الطوائف ,ولا  تدار  حياة  الطوائف   سوى   بمفاهيم   مثل   الغلبة  الغالبة   اي  الديكتاتورية !الطائفة   كانت  ولا  تزال  تعبيرا عن   الانسان     ذو   البعد   الواحد!. 

       أول    من بحث  قضية  الانسان  ذو   البعد   الواحد  كان   الفيلسوف  الألماني-  الأمريكي ماركوزي , توجه   ماركوزي   بما  خص  التفاصيل  مختلف   جدا عن ماتلاه ,     ركز ماركوزي  على كون  الايديولوجية  الرأسمالية ممثلة   للبعد    الواحد   انطلاقا  من   توجهه   اليساري ,  الذي دفعه   الى   اعتبارها   ممثلة   للزمن   الميت ,ولو  عاش  ماركوزي   لفترة  أطول   لكان   من   المتوقع أن   يتحرر   بعض   الشيئ من   سجن   الرأسمالية , والتفكير بأضرار   البعد   الواحد   في  مجالات  أخرى مثل   المجال   السياسي   في المجتمعات   البدائية  , التي   لاتمت   للرأسمالية  بصلة ولا  تمت   للاشتراكية   بصلة    كما  هو حال  هذه  المنطقة    ,  العشائرية  كانت  ولا  تزال  مبتلية   بالزعامة   ذات   البعد   الواحد, وحتى   أن   بلاء   العشائرية   لايختلف   عن  البلاء  الديني   ,  الذي   سجن  نفسه   في ماخور   المقدس   الواحد أي   البعد  واحد,خاصة في   المناطق  المتأخرة    ,  ففي   هذه  المناطق مثل    العربية   لاوجود   للرأسمالية    الغربية  ,  التي   انشغل  ماركوزي   بها بالدرجة الأولى,  وحتى   الرأسمالية   التي   اتهمها   ماركوزي   بكونها  ممثلا   للبعد   الواحد   لم  تكن  كما  ظن  ولم تصبح  كما   توقع.

من عوامل   فقر  وضعف   شعوب    هذه   المنطقة  كان   عدم  وجود  رأسمالية   وبالتالي   عدم  وجود  بوجوازية  اي   طبقة   وسطى , لايمثل   المتمولون   في   هذه  المنطقة طبقة  رأسمالية   كان   لها   الكثير  من  الايجابيات   في  كل  انحاء   العالم  خاصة  أوروبا  ,  يمثل   المتمولون  في   هذه   المنطقة   مجموعة  من  اللصوص والمهربين  اي   طبقة  فوق   القانون تنهب   طبقة   تحت   القانون اي   الفقراء  لا  أكثر  ولا   أقل !.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *