انعدام الشرعية الانتخابية والمعاوضة بالفيض الايديولوجي!
جورج بنا , مفيد بيطار:
تعويض نقص الشرعية الانتخابية عن طريق فيض ايديولوجي هو أمر معروف وممكن , وقد عرف الماكر حافظ الأسد ذلك , لذلك كما يقال “سلم” الجولان ” لاسرائيل ورفض كل العروض المغرية لاسترجاع الجولان (محادثات تحت رعاية تركية ,رفض الأسد العرض الاسرائيلي لاعادة الجولان من أجل ستة أمتار مربعة على بحيرة طبرية ), وكيف سيتدبر الأسد أموره اذا عادت الجولان وبماذا سيتاجر ؟ وهل تكفي فلسطين للتجارة ؟ أم أنه من الأفضل الاتجار بفلسطين والجولان معا !!, طبعا من السهل اخفاء الوجه المستبد السارق المجرم بقناع فلسطين والجولان معا , رأس مال استثمار ايديولوجيا المقاومة والممانعة في حالة فلسطين والجولان أكبر , وبالتالي فان المكاسب أعلى , والافراط بهذا الاستثمار قد يعوض العجز الانتخابي بما يخص الشرعية , هنا نريد التذكير بالنصيحة التي قدمها رفعت الاسد للمتوفي بشير الجميل ,قال له اذا اردت اقامة المشانق ,فارفع علم فلسطين, الا أن اخلاقيات الجميل المتمركزة حول الصفر منعته من العمل بالنصيحة الأسدية , لقد أقام المشانق دون رفع علم فلسطين, أما الأسود فقد أقاموا المشانق تحت راية فلسطين , هذه هي عقلية البدوية الرعوية القبلية .
لولا الشعور العميق بانعدام الشرعية الانتخابية , لما كان البحث عن شرعية معاوضة ضروري بالشكل الذي مارسته الأسدية عن طريق استثمار ما لايجوز استثماره وتوريث ما لايجوز توريثه , خلفية وأساس هذه الممارسة هي الاستهتار بالشعب وعقله وكرامته , فمن يعلن رسميا نتائج استفتائية تقول على أن حضرة المرشح نال ١٠٠٪ من الأصوات انما هو مجنون تماما , أو أنه لاحدود لدرجة استحماره للناس واستهتاره بارادتهم وعقلهم , يعامل أويتعامل مع الناس وكأنهم قطيع مطيع يساق الى مبايعة راعيه, الاسد ادرك تماما حقيقة التزوير وادرك فوائد ركوب موجة فلسطين والجولان للمعاوضة عن عدم التمكن من الحصول الحقيقي على الشرعية الانتخابية,لذا تم التعامل مع الشعب كقطيع , و الشعب فعلا كان قطيع ليس منذ عام ١٩٦٣ فحسب انما منذ اربع عشر قرنا ولا يزال , والجولاني لم يختلف عن الاسدي بحديثة عن مرحلة انتقالية ابدية ثم اقامة مجلس شعب اي برلمان بالتعيين من قبله او من قبل من عينهم , من جهة اخرى يدعي ازالامه ان شعبيته ونسبة مريدوه تجاوزت نسبة ٩٠٪ من السوريين , دون اي شعور بأي حرج من اكتشاف الشعب للكذب والتلفيق , فمن يملك شعبية ٩٠٪ لايحتاج للتعيين ,لانشعر بوجود اي تململ شعبي من موضوع ” التعيين ” , السبب هو كون الشعب فعلا قطيع بالتطبع المزمن منذ عشرات القرون .
دفع الشعب السوري ثمن بقاء الأسد بالتقسيط المرير نصف قرن ودفع ثمن بقاء العثمانيين اربعة قرون ودفع ثمن بقاء خلافة قريش عشرة قرون ,ولم نعرف طوال تلك القرون ثورة او حركة احتجاج واحدة الى أن جاء الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى بعقلية الثورة الفرنسية التمردية التنويرية , حيث تم اصدار قانون الاحزاب واجريت عدة انتخابات وكان هناك قانون للانتخاب وحتى بعد بعض السنين من رحيل فرنسا بقيت ” القشرة” الفرنسية فعالة وكانت هناك انتخابات ١٩٥٤ الوحيدة النظيفة بالرغم من عدة انقلابات عسكرية ,ازيلت القشرة عام ١٩٥٨باستفتاء نال به عبد الناصر ١٠٠٪ من الأصوات, وفي السنين اللاحقة نال الاسد وابن الأسد تلك النسب وفي مجلس الشعب المعين سينال الجولاني تلك النسبة ايضا , اليس من العار ان تكون هناك دولة تحت الانتداب الفرنسي وان لاتكون هناك”دولة ” بعد الاستقال , أليس من العار ان تلغى الأحزاب السياية في عصر الاستقلال ويستعاض عنها بالكيان الديني اي بما يسمى ” ماقبل الدولة” بعد ان كانت هناك في حقبة الانتداب الفرنسي احزابا سياسية , اليس من العار أن تتطور البلادتحت علم الاستقلال الى تعريف الانسان بدينه اي بطائفته وليس بتوجهه السياسي , اي أن السوريون فشلوا في بناء دولة سياسية بعد الاستقلال وعادوا بسرعة الى العثمانية وثقافة الملل وقبلها الى ثقافة خير امة والى الذمية ثم ثقافة ثنائية المؤمن -الكافر ,اليس من المتوقع ان تفشل البلاد في التحول الى دولة سياسية والدولة سياسية بطبيعتها , لم تمثل السلطنة والخلافة ا “دولا” بالمعنى المعروف عن الدولة , انما كانوا كيانات دينية بشرعية مستمدة من الشريعة .
كانت سوريا الخمسينات بمثابة “مشروع ” دولة , وبعد أن تدمرت وبادت واندثرت , تم تحويلها رسميا الى مستعمرة بمستعمر داخلي وخارجي , لم نعرف كيف ستتطور سوريا بعد التحول الى مستعمرة , والآن نعرف كيف تطورت, لم نتوقع الكثير مما يفرح ,ولم يتحقق حتى الآن ما يفرح بالمطلق , ولا زالت سوريا تحت الاستعمار المركب الداخلي والخارجي , بدلا من العمامة الايرانية هناك الآن طربوش اردوغان , وبما يخص الاستعمار الداخلي تغير الحاضن , اما المحضون اي النظام فلم يتغير بشكل ملحوظ , ليس من النزاهة تقييم السلطة الحالية بعد أشهر من جلوسها على كرسي الحكم, ولكن يبدو أن أمر ” الدولة ” يسير باتجاه “ماقبل الدولة ” او اللادولة .
عموما من الصعب لأي سلطة مهما كانت ان تصنع من الكيان السوري دولة , وأن تكون هذه الدولة ديموقراطية تحترم الحريات والعدالة والمساواة ,لذلك علاقة مع ثقافة الشعب التراكمية, لم يتراكم في القرون الأربع عشر الأخيرة سوى الفساد والعشائرية والعنف والاستبداد والاستغلال والهيمنة تحت الاستعمار البدوي لمدة ١٠٠٠ سنة وتحت الاستعمار العثماني لمدة ٤٠٠ سنة ,الحاكم لايحتكر البدوية والعشائرية والعنف والفساد وغير ذلك من السلبيات , فهذه الخواص والصفات متجذرة في نفسية الأعراب حكاما ومحكومين , لاشك بمقدرة الحاكم على تكريس تغيير ما تجذر في نفوس الناس من خواص لاتستقيم مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة كما هو الحال في اوروبا , لقد قاد الديكتاتور فرانكو اسبانيا الى الديموقراطية والحرية وما قام به اتاتورك كان جيدا بأسلوب مغاير , حكم كيكونن فيلندا لمدة ٢٥ عام اي حتى اوئل ثمانينات القرن الماضي , حسب التقرير السنوي للأمم المتحدة حول سعادة الشعوب, تحتكر فيلندا المركز الأول في العالم منذ ٨ سنوات على التوالي, فيلندا اول دولة في العالم من حيث الحريات والديموقراطية والعدالة الأجتماعية والمكانة العالمية, كالرئيس كيكونن حكم السيد بشار الأسد ما يقارب ٢٥ سنة , بالنتيجة لا وجود لتعيس في فيلندا ولا وجود لسعيد في سوريا!.
صمت الشعب وادمانه على الخنوع بعد اربع عشر قرنا من الاستعمار المتوحش , ونفاقه وتزلمه وتفاهته انسجمت مع الأسدية كما انسجم شعراء البلاط مع الخليفة ,ولولا صمت الشعب لما كانت هناك وسائل وسبل ,منها ماتم ذكره من استثمار المصائب الاقليمية والوطنية كقضية فلسطين والجولان, لتكريس البقاء , لم يكن مانسميه مصائب الا نقمة على الشعوب ونعمة للأسدية ومن واكبها ولفق وتزلم عندها مكتفيا بالفتات ,شعب جاهل بدوي الطبائع حول بالشراكة مع الأسدية تلك الي نسميها مجازا ” دولة”الى مجرد ماخور للنهب وتحويل المال العام للحيازة الشخصية , لحيازة الأسد والزبانية , دون أي شعور بالذنب , فالسلب هو من طبيعيات عقل الشعب البدوي ومن يحكمه بدويا , انها طبيعة العقل البدوي الرعوي الذي لايشكل “البناء”والاستقامة أحد معالمه,السلب البدوي أكل مشروع الدولة لحما وجلدا وشعرا وتركه هيكلا عظميا ميتا بدون حياة أو حيوية.
العقل البدوي الرعوي سجين الفساد المزمن , وبعيد بالمطلق عن هموم ومصالح الشأن العام, تأمم الشأن العام وتحويله الى الحيازة شخصية ليست مشكلة رئاسية فقط , ففي كل من السوريين يسكن الرئيس ,كما سكن الخليفة في دواخل كل مؤمن محمدي ,تحول الجشع الى عصاب جماعي عند الرئيس والمرؤوس , فكلهم يريدون قضم الكل , كلهم يريدون دولة ليقضموها بلحمها وبعظمها , لذا لافائدة من تغيير الرئاسة بدون تغيير طبائع الشعب , ولا فائدة من ترحيل الأسد والابقاء على ملاين الأسود في دواخل السوريين ,لامستقبل لسوريا الا بالقطيعة مع العقل البدوي الرعوي المتواجد حاليا في راس الرئيس والمرؤوس بشكل متساوي .
Post Views: 320