ممدوح بيطار,سمير صادق :
تتمبز البدوية المعبرة عن المجتمع الرعوي بخواص عدة , منها ومن أهمها خاصة الانكار وانعدام المقدرة على رؤية السلبيات التي يجب تصحيحها بحكم الضرورة وبطرق فعالة موضوعية , وليس تلفيقا من خلال تمظهرات التفاخر والتكابر والغرور والانتفاخ , فالثقافة الرعوية لاتسمح تعريفا بممارسة الموضوعية , لا اعلان عن وجود الضعف ولا اعلان الاعتراف بالهزيمة ولا اعلان الوقوع بالخطأ , الرعوية لاتخطئ لأنها دوما على حق, فالبدوي ,حتى في سلبه ونهبه على حق , لأنه يسلب ما يعود له أصلا وما يمكن لسيفه أن يساعده في هذا المجال , البدوي لايمارس النقد الذاتي ولا يعتذر , لأن النقد الذاتي مذلة والاعتذار مذلة اكبر , ومن يعتقد بخطا هذه الفرضية عليه القاء نظرة عابرة على تعامل العقل الجمعي والشخصي مع ظاهرة الابادات الجماعية , وكيف يبرروها ويشرعوها !, فتقتيل حوالي 1,5 مليون أرمني كان واجب وطني عثماني ديني , وتذبيح بني قريظة كان انقاذا للدين , وذبح بن نويرة كان تطبيقا لقانون الضرائب لأنه لم يدفع الزكاة !! , وليس للاستيلاء على الحلوة أم تميم كما يدعي المغرضون , اما السطو على زينب بنت جحش فقد كان تنفيذا لأمر الهي ليس بامكان ابن عبد الله مخالفته.
تتمظهر البدوية الرعوية حتى في سياق النقاشات والحوارات باستخدام كل الأسلحة المتوفرة من أجل سحق المحاور الآخر , أو الخصم الفكري سحقا لانجاة منه , يتحول الحوار تحت الصيغة الرعوية البدوية الى تعارك ومنازلة من أجل كرامة الفرد وكرامة عائلته وقبيلته وكرامة مليار ونصف من البشر المؤمنين ,لايعرف حوار البدوي الا مخرج النصر أو الهزيمة , كالمنازلة بين فرسان القبائل , اما قاتل أو مقتول !!! , حتى لو كان للهزيمة أسبابا موضوعية , فالاعتراف بالهزية يعادل فقدان الشرف والكرامة, وهل اعترف العرب يوما ما بهزيمة ! , بما أنه لامجال لتغيير القيم المتجذرة في النفوس البدوية , اي لامجال للاعتراف بالخطأ , لذا يجب تصفية الآخر وسحقه بأي وسيلة كانت حتى بالشتم والشخصنة والتهديد , الذي قد يصل الى حد القتل ,حتى بقاء الخصم حيا يمثل بالنسبة للبدوي مذلة وفضيحة .
أما عن التعامل مع شرف العائلة , فالبدوية هنا في أجلى صورها ,حماية شرف العائلة يتطلب تصفة البنت الضحية بالدرجة الأولى اي ازالة العار , وليس تصفية من اغتصبها او من لوث شرفها , تمثل تصفيتها وازالتها من الوجود انتصارا يفخر به , حقيقة تمثل عملية جريمة الشرف ازالة ارهاب فقدان الشرف بوسائل لاتمت للشرف بصلة , حماية الشرف لاتتم بتكريس اللاشرف , لاتتم بالتوحش العابر حتى لحدود الغابة , لاتتم بالنذالة والانتفاخ وتورم الأنا ثم ممارسة العنتريات والمزايدات والأنانيات .
علينا في هذه المناسبة السؤال عن معنى ودلالات مفهوم ” الشرف ” , المعنى مختلف من بيئة لأخرى , فالشرف الغربي مختلف عن الشرف العربي ,ولو اقتصرنا على المعنى المحلي والطرق المحلية للحفاظ على الشرف اي القتل , لكان من الضروري ان يتقلص عدد السوريين الى حوالي المليون على اكبر تقدير , لأن ٢٢ مليون من أصل ٢٣ مليون لطخوا شرفهم وشرف عائلاتهم ومحيطهم بالعار , والعار اشمل من قضية الاعتداء على امرأة , فتعدد الزوجات عار وتزويج القاصرة عار والسرقة عار والطائفية عار الخ , هنا لايتسع المجال لذكر كل أشكال وأنواع العار المدنسة للشرف , والذي تتطلب حمايته ممارسة القتل .
يرفض العقل البدوي الرعوي ممارسة التحليل والتفكيك , لأن التحليل والتفكيك يسير باتجاه معاكس للقطعية البدوية , التي لاتعرف الا مصداقية حد السيف الذي يفصل بين الحياة والموت , السيف هو من مستلزمات الحياة البدوية الرعوية , انه مصدر الرزق , بالسيف ينهبون ويدافعون عن كياناتهم ومسروقاتهم , وبحكم الاعتياد على ثقافة السيف يمارسون التحارب والصراعات الدامية احيانا كرياضة وهواية , تمظهرات القوة وشدة البأس والتفاخر بالعنف هو من خصائص البدوية المرتشحة في حياة الحضر في هذه المنطقة والمسيطرة على ثقافة الحضر , وذلك بعكس التطور الطبيعي المنطقي, الذي يرى بديهية هيمنة الحضر على الثقافة البدوية , التي ترتكز على معادلة اعلاء شأن الذات وخفض شأن الآخر , فمجرد وجود الآخر هو بمثابة تهديد للبدوية , لذلك يجب الغاء الآخر بأي وسيلة كانت .
احترام البدوي لنفسه هو ترجمة لاحترام الآخر له ,واحترام الآخر له لايعني الا انصياع الآخر ودونيته , لاينبع نظام الفضيلة عند البدوي الرعوي من داخله, انما من تصور الآخرين له من خلال ثنائية شموخه -انحدارهم , البدوي لاينظر الى داخله انما الى صورته في ذهن وعين الآخر , فالجهل الشنيع هو أن تتخفى خلف ظن الناس بك , ظن تمليه هيمنتك عليهم وخوفهم من سيفك واعتمادهم على فتات مكرماتك , صفات الزعماء العرب بامتياز .
ما ذكرناه ليس الا نماذج عن العقل البدوي الرعوي الذي كان له الانحسار أمام الحضر , والدين الذي اراد الحد من البدوية عن طريق ترسيخ مفهوم “الأمة” , انصاع حتى في السقيفة الى منطق البدوية , وتبنى منظمومة فضائلها المتمثلة بمنطق السيف والقهر والغلبة , البدوية الرعوية انقلبت على الدين وهيمنت عليه وقولبته بقالبها , والقولبة لاتزال فعالة حتى هذه اللحظة .
اننا نعيش في بيئة صنعتها العقلية البدوية المتمحورة حول العنف والسيف وذهنية الراعي والرعية , هذه العقلية حولت الانسان الى مجرد “اداة” تنتظر الحصول على حقوقها بشكل مكرمات من قبل الراعي , حقوق المواطن مرتبطة بمكرمات الراعي وليس بواجبات الدولة تجاه المواطن , تؤسس هذه الحالة المؤطرة باطار أو هالة العطاء الى تغيير صيغة الحقوق , من صيغة الحقوق المكتسبة الى صيغة الحقوق الممنوحة , صيغ لاتخضع لمفهوم العدالة أو القانون , صيغة توهم الخادع والمخدوع , توهم الراعي الخادع بأنه متفاني في سبيل الآخر , وتوهم المخدوع من الرعية بأنه نال حقوقه ! , التي تتمثل بارضائه ,مثل ارضاء البعض من الحاشية المتملقة ! , فالارضاء شيئ والحقوق شيئ مختلف تماما.
فرض العقل البدوي الرعوي منظومة حكم لاتمت الى فلسفة الدولة بأي صلة , حتى تصنيف ما يحكمنا ويتحكم بنا في مصنف ماقبل الدولة هو اجحاف بمفهوم ماقبل الدولة , اننا في مرحلة البدوية الرعوية , التي لايمكنها تأسيس دولة , بل في أحسن الحالات قبيلة الى جانب قبائل أخرى تتصارع مع بعضها البعض وتنهب بعضها البعض , لامناص بدويا من الاعتماد على غنائم الحرب,الذي نسميه تعفيش وفساد , والفساد ليس من صنع الراعي فقط , انما من صنع الراعي والرعية , أي من البدوية.
