من الانحسار الى الاندثار … !
الواقع العربي المحمدي مأزوم من كافة النواحي ,اقتصاديا , سياسيا واجتماعيا , الاقصاء والنبذ والفشل في تعامل الفئات المكونة لشعوب المنطقة مع بعضها البعض كان ولا يزال أحد أوجه التأزم , هكذا تنحسر بفعل الاقصاء فئة تلو الأخرى ويندثر وجودها في البلاد , ولكنها لم تندثر انما قد تتواجد بأحسن حال في اوطان جديدة محترمة , وهكذا انحسر وبالنهاية اندثر وجود يهود البلدان العربية , ولم يبق منهم سوى ١٥٠ شخص في سوريا و١٥ شخص في البحرين , وأعداد بالمئات في العراق , فهل الانحسار المتزايد للمسيحيين , بعد أن آلت نسبتهم من تعداد السكان تقديرا الى حوالي ١-٢ ٪, سيقود الى الاندثار الكامل لهذا الوجود ؟
قبل سنوات كتب الصحفي جهاد الدين في جريدة النهار مامعناه , ان أزمة الوجود المسيحي في الشرق عموما ذات علاقة مع واقع المحمديين المأزوم , لا شك بأنه لاعلاقة لمعاناة الميسيحيين مع السياسة عموما , لأن هذه المعاناة لاترتبط بشكل مباشر مع طبيعة الأنظمة القائمة , كما أن المسيحيون لايحملون مشروعا سياسيا معينا على المستوى المحلي , وبذلك لايهددون الأنظمة الحاكمة , بالرغم من ذلك تبقى قضية انحسار المسيحية في سوريا وانقراضها المتوقع قضية معقدة بعض الشيئ , لأنها ترتبط ولحد كبير بتركيبة وبنية شعوب المنطقة وبالموروث الثقافي والاجتماعي والديني لهذه الشعوب , موروث يرتكز على “اللامساواة ” ويقلل من شأن غير المؤمنين عموما, وحتى بين المؤمنين يتم التقليل من شأن بعض الفرق التي تعتبر نفسها محمدية ولا تعترف فئة أخرى بها, قضية انقراض” الذميين ” ليست قضية سياسية انما أخلاقية-ثقافية , قضية تطرح اشكالية قضية امكانية “التعايش” , ان لم نقل العيش أو الحياة المشتركة , بين المؤمنين وغيرهم.
اندثرت اليهودية في الشرق العربي بسبب تهمة تواطؤ اليهود مع الصهيونية التي احتلت فلسطين , وتهمة التواطؤ والتعاطف مع الغرب كانت التهمة التي أزمت علاقة الفئات الدينية في سوريا مع بعضها البعض, هذه التهمة وجهت أصلا الى العيسويين بشكل غير مباشر , وذلك عن طريق اتهام أمريكا بالقيام بحرب افرنجية في الشرق, واتهام روسيا بالقيام بحرب دينية في سوريا ضد الأكثرية المؤمنة , قيل من يحاربنا ويلقي القنابل على بيوتنا وأطفالنا هم اخوتكم في الدين !!!!!.
تتضمن هذه النظرة للأخوة في الدين بين المسيحيين المحليين وبين المسيحية العالمية ومسؤولية المسيحية الشرقية والغربية عن الحروب والقنابل تهمة الى المسيحيين المحليين بالخيانة , وبالتالي تجريدهم من الوطنية السورية ودمجهم في الوطنية الروسية أو الأمريكية أو الغربية بشكل عام , بحيث يشعر المتهم بأنه غريب في البلاد التي يسكنها ويعيش بها منذ قديم الزمان , بالغربة يشعر المتهم وبالتالي انتمائه الديني , عندما يتم التلويح بأمر التسامح المحمدي مع الغير وحسن استضافة المؤمنين لغيرهم ثم التنويه الى أن المؤمنون آووكم يا مسيحيين وأطعموكم ولولا انسانيتهم لذبحوكم, ولولا فتوحاتهم لتركوكم مستعبدين من قبل المستعمر الروماني -الفارسي , وبالرغم من ذلك تعملون كطابور خامس لمصلحة روسيا وأمريكا ,لذلك تم تفجير الكنائس في العراق ومصر وتم فرز الناس من قبل داعش الى مؤمن وكافر , وفرز الناس لم يكن حصرا داعشي وانما أيضا أسدي والآن جولاني , لقد تم ترتيب الناس في أصناف , هناك صنف أول وثاني وثالث ..الخ , والحال مشابه في مصر والعراق وليبيا والجزائر والسودان وغيرهم من الكيانات العربية !.
كثيرون لايدركون دلالات بعض المفاهيم التي يعتزون بها , ومنهم على سبيل الذكر وليس الحصر المفتي السابق حسون, ففي سياق حديث له عام ٢٠١٠ قال لاتخافوا على أهل الذمة لأنهم في رحاب الدين الحنيف , المفتي لم يدرك المعنى الأعمق لوجود مواطن في رحاب دين آخر , فالمواطن يعيش عادة في رحاب الوطن وليس في رحاب طائفة أخرى , لم يدرك المفتي على أنه بهذا العرض السخي قد حول غيره الى ضيوف أو نزلاء يتحملهم المؤمن بداعي الشفقة عليهم ثم التسامح ومسامحته لهم , وعلى ماذا على المؤمن المحمدي مسامحتهم ؟؟؟ هل يمكن لهذا العرض الا أن يؤشر الى ان هؤلاء مذنبون ويحتاجون للشفقة والعطف والمسامحة , بكلمة مختصرة هم غير الآخر , وهم أدنى من الآخر , والآخر هو بمثابة وصي لطيف عليهم .
التواجد في رحاب المحمدية مشكلة تولد من رحمها اشكالية عدم شعور فئة من المواطنين بالمساواة مع الفئة الأخرى , وبأن فئة من المواطنين لاتعيش في الوطن , انما في رحاب المؤمنين , وهل رحاب المؤمنين وطن ؟؟, الاشكالية الأخرى هي اشكالية التسامح , والمقصود بالتسامح ليس النبيل منه والمنصوص عليه في الوثيقة الخاصة بمبادئ حقوق الانسان من عام ١٩٩٥, والذي حول التسامح الى قيمة قانوية تعني قبول التنوع واحترام هذا التنوع ولايقصد بها الوصاية على أحد, يعتمد المقصد الشعبوي من التسامح على حيازة البعض على خواص التساهل والشهامة والبعض الآخر على الضعف والحاجة الى سيد غفور رحيم ,.مهما كان الأمر هنا يمكن القول على أن التسامح الشعبوي متضمن لخاصة الفوقية وبالتالي التمايز عن الآخر على أساس المعتقد الديني , هذا ” التسامح ” لايجمع انما يفرق , لأن جوهره عدم المساواة .
لانظن أنه من الممكن عن طريق مراسيم وفرامانات ايقاف تطور الانحسار الى الاندثار , لأن معظم اشكالية “النبذ” ليست سياسية , وانما شعبية وتتعلق بالشعور العام السائد في الشارع العربي المحمدي , الذي لايقصد برحاب الاسلام وبالتسامح سوء , انما يفعل السوء , هنا لابد من الحل العلماني كبداية , لايتمكن هذا الحل من ازالة المشكلة على المدى القريب , اذ لابد من فترة تنويرية طويلة الأمد , وطول هذه الفترة يلغي تأثيرها على الانقراض المنتظر للمسيحية , يقال على أن سوريا ستكون خلال عامين او ثلاثة خالية من المسيحية كالعراق تقريبا , الأمر لايتعلق فقط باليهود والمسيحيين , وانما سيشمل فئات أخرى لاضرورة لذكرها اسميا , نبذ الآخر بحجة التفوق عليه سيستمر لطالما يوجد آخر ويوجد من يظن بأنه يحتكر التفوق !
Post Views: 726