ممدوح بيطار , جورج بنا :
بدأت سوريا بالتدحرج نحو الطائفية بشكل رئيسي مع عبد الناصر اي في نهاية خمسينات القرن الماضي , ثم تطورت البلاد بالتدرج في اتجاه تعميق الطائفية , الذي ترافق مع ضمور الحياة السياسة المرتكزة على احزاب سياسية مثل البعث والسوري القومي ثم الشيوعي وغيرهم , الى ان وصل الأمر الى حادثة مدرسة المدفعية ثم الى احداث حماه وقبل ذلك الى حركة الأسد التصحيحية , التي مثلت ولادة طائفة الاسدية كطائفة جديدة جندت معظم كوادرها من الطائفة العلوية وكان لها كوادر من بقية الطوائف , ثم تطورت الامور الى ثورة ٢٠١١ التي سرقت من قبل الاخونجية وتطور الأمر الى حرب اهلية , لم تتوقف حتى بعد سقوط الأسدية التلقائي بدون مواجهات عسكرية تذكر , بعد انهيار الأسدية تمسك الآن هيئة التحرير بزمام الأمور, وتفوم بما تم توقعه منها من مجازر ومحاولة تصفية اتباع طوائف صغيرة نسبيا مثل اتباع الطائفة العلوية او الدرزية , والتصفيات سوف لن تتوقف طوعا , الا أن الظروف الخارجية ليست مواتية لها ,والخارج قادر على تدميرها حتى بدون قنابل وصواريخ كما كان متوقعا تبنت حركة الجولاني منهج ابن تيمية , الذي يتضمن تصفية باقي الطوائف الصغيرة الأخرى بتهم مختلفة ومعروفة عن فكرعن فكر ومنهج ابن تيمية.
يمكن تقسيم الحكم الطائفي الى شكلين, هناك النظام الطائفي , الذي يعني حكم طائفة صغيرة مثلا بعد انقلاب عسكري , صغر الطائفة يرغمها في هذه الحالة على تجنيد كوادر من طوائف أخرى كمرتزقة بامتيازات مادية في مجال الفساد الاقتصادي , هكذا كان حال طائفة الأسدية ’ تسمى هذه التشكيلة ” نظام طائفي ” , بينما تسمى حالة الحكم من قبل طائفة كبيرة ” حكم طائفة ” كما هو الحال في سوريا الآن , لاتحتاج الطائفة الكبيرة الى مرتزقة من خارج صفوفها, لأنها تملك مايكفي من الكوادر , هناك فروق اخرى مهمة بين النظام الطائفي وبين حكم الطائفة , فالنظام الطائفي سهل الاقتلاع لصغر النواة المؤلف منها ولكون موضوع الثقة بين النواة وبين مرتزقته مهتز وضعيف , بينما يصعب اقتلاع حكم طائفة كبيرة لكون الثقة الداخلية متينة بين افراد هذه الطائفة .
يتغير الأمر عند حدوث انشقاقات داخل الطائفة الكبيرة , مما يضعفها وقد يودي بها , ذلك الأمر كان متوقعا بالنسبة لهيئة التحرير الجولانية , فقبل ايام اعلنت جماعة تسمي نفسها جماعة “أولي البأس” وقائدها غير معروف باسمه الحقيقي , ألا انه يدعى ” رضا حسين” حركيا , وقد عقد ” أولي البأس ” أول مؤتمرا لهم في مكان سري داخل سوريا حضره ٢٠٠ شخص واصدرو بيانا تأسيسيا , اضافة الى ذلك اعلنوا عن اسماء الجماعات التي انضمت اليهم مثل جماعة درع الساحل وغيرها , أعلنت جماعة ” أولي البأس” انها ستواجه الجولانية سياسيا وقانونيا , مع العلم ان تلك الجماعات الجهادية عموما لاتعرف القوانين ولا تعرف السياسة , اي ان المواجهة بين هيئة التحرير والتقرير وبين جماعة ” أولي البأس ” ستكون حربية حصرا وبامتياز .
ليس من المهم من يحكم بل كيف يحكم , الجماعات من نوعية هيئة التحرير تحكم بالسلاح والبطش والتذبيح وتنتقي منهجا يلائم البطش والتذبيح , وهكذا تبنت هيئة التحرير منهجية ابن تيمية , ثم طبعت كتبه ووزعت تلك الكتب خاصة على معاهد الشريعة في ادلب او الشمال السوري , واذا قدر للهيئة ان تبقى على قيد الحياة لفترة أطول في السلطة , فسيدخل فكر ابن تيمية في المناهج المدرسية , مما سيكرس تنامي الوعي الطائفي وضمور الوعي الوطني والرابطة الوطنية , وسيكرس تبادل المواطنين لعدم الثقة والخوف , مما سيقود حتما الى الخلاف والى تبادل اطلاق النار وممارسة العنف .
الطائفية مرض من امراض السياسة بشكل رئيسي وليست مرضا من امراض الأديان بالدرجة الأولى , وجود طوائف في المجتمع لايقود بشكل حتمي الى الممارسات الطائفية, بالرغم من وجود اختلافات وتمايزات مذهبية واجتماعية وسياسية في كل مجتمع , عندما يتم اكساب التمايزات الاجتماعية السياسية قيما مذهبية تستيقظ الطائفية كما هو حال الاخونجية , انه من الممكن تصور اوضاعا تحتفظ الفوارق المذهبية بها بوزن روحي دون التدخل بالوزن الاجتماعي للسياسة , اصلا لاعلاقة لهذه الأوزان مع بعضها البعض , فالوزن السياسي اجتماعي , بينما الوزن المذهبي شخصي , والفصل بينهما من أسهل الأمور , لأنه يعود الى طبيعة كل منهما , المذهب امر شخصي , بينما السياسة أمر اجتماعي , الفصل بين المذهبية الشخصية وبين السياسية الاجتماعية امرا طبيعيا , اللاطبيعي هو دمح الدين بالدولة , مما يقود الى تلف الدين وتلف الدولة ايضا , الفصل بينهما يثري كلاهما .
