ممدوح بيطار, سيريانو سيريانو :
لكي نفهم ظاهرة الأصولية يجب التعرف على المعايير التي تقاس بها , فالأصولية ليست العودة الى الأصول وليست أصلية وليست حصرا دينية , قد تكون دينية وقد تكون مادية أو وضعية أو ميتافيزكية أو ايديولوجية أوقومية أو عنصرية الخ ,انها خاصة متعددة المظاهر والقيم , أحد أهم قيم الأصولية ومظاهرها هي الدوغماتيكية القطعية المتعالية المدعية امتلاك الحقيقة المطلقة الأساسية والجوهرية , من نتائج هذه الخاصة في الممارسة العملية الانغلاق والمكابرة واحتكار الفضائل الزائف , والقضاء على العقل والفكر ..معتقلي الرأي هم حصيلة لممارسة الدوغماتيكية , والديكتاتورية المهيمنة هي من أهم محاصيل الدوغماتيكية, ومن محاصيلها أيضا عبادة الماضي المؤسسة على القصور في الوقوف أمام تحديات الحاضر والمستقبل.
المكوث في حصون الماضي وتجميد الحاضر والمستقبل , ثم اذابتهم في الماضي , هو من خصائص الأصولية كنتيجة لدوغماتيكيتها , الذوبان في الماضي لايمثل الا الخروج من التاريخ , ومن هو خارج التاريخ لايستطيع صناعته , ومن لايستطيع صناعة تاريخ ما هو بمثابة الدوني حضاريا و القاصر دنيويا , هو الذي يحتقر نفسه عن طريق احتقاره للانسان الآخر , الأصولي لايقيم وزنا للآخر ..يستلب الآخر , ويدعي وصايته عليه ويستعمره .
أبشع انواع الاستعمار هي اشكاله الداخلية , هنا تسيطر فئة أو شخص على مقدرات مجتمع , ثم يختذل الشخص المجتمع أو الدولة بشخصه وارادته ومصالحه ونزواته , ويجرد الآخر من ملكية أي شيئ , حتى ملكية حرية الكلام ,معتقل الرأي ليس الا معتقل الأصولية , لايجوزللمعتقل ان يفصح عن رأيه , ويصبح الانسان معتقل رأي عندما لايتطابق رأيه مع رأي السلطان ,والأصح ارادة السلطان وغرائزه , التي من الصعب وصفها بكلمة “رأي” , انها نوعا من الحيوانية , التي بمقدورها التحكم بملايين البشر ولعشرات السنين بشكل الحزب الواحد والشخص الواحد والديكتاتور الواحد , الذي به قد تتمثل مجموعة من الأصوليات بآن واحد , لقد كان هتلر أصولي عرقي وعلمي ولم يكن أصولي ديني , وستالين كان اصولي ايديولوجي وعلمي ولم يكن أصولي ديني أو أصولي علماني ,وفي الديكتاتورية السورية الأسدية اجتمعت كل هذه المواصفات وأكثر منها أيضا , أذ أنها أصولية طائفية أيضا , ولانقصد علوية حصرا , فالأسدية طائفة مغلقة قائمة بحد ذاتها , ولطالما كانت جديدة بعض الشيئ استوردت قوامها البشري بالدرجة الأولى من الطائفة العلوية, وبشكل ثانوي من الطوائف الأخرى ,بالرغم من كون معظم استيراداتها كانت من الطائفة العلوية , لم يجعلها طائفة علوية حصرا, انها طائفة اسدية اولا .
لنأخذ الأصولية الصهيونية للمقارنة, انه الصعب تحديد كل مظاهر الأصولية الصهيونية , انها دينية ليس عن قناعة , انما لتسهيل ايصال الصهاينة الى أهدافهم , وهي عرقية أيضا ليس عن قناعة وعرقيتها وسيلة وليست هدفا , كما أنها تتمتع بنوع ليس شائع من الأصوليات, انها أصولية المظالم ,ومن خلال هذه الأصولية تسعى الصهيونية لتبريرظلمها بالمظالم التي أصابت العبرانيين على يد الأصولية العرقية النازية ,وظفت الأصولية الصهيونية ظلم النازية لتبرير ظلمها للغير , وفي سوريا يريد البعض توظيف الظلم الذي لحق بطائفتهم قبل مئات السنين في تبرير ظلمهم للآخر وذلك تطبيقا لمفهوم ”من واجب المظلوم أن يصبح ظالما ” ,يمثل هذا المفهوم قاسما مشتركا بين الأصولية الصهيونية وبين أصولية الاسدية .
تعتقد بعض العقائد الأصولية انها كاملة الأوصاف , الا أن الأوصاف الكاملة هي الأوصاف الشوفينية والحيوانية , التي تلغي حاجة الانسان الى التفكير , فمن يفكر بصوت عالي يعرض نفسه للتحول الى معتقل “رأي” , لاحاجة للاجتهاد في الأسدية لكونها كاملة ألأوصاف , ولا حاجة للاجتهاد في الدين لنفس السبب , لم يختلف الابن بشار عن والده الأصولي حافظ الا بخصوص الغباء , حيث كان الابن أغبى من الأب ,انطلقت الأسدية من حكمتها اللامتناهية , التي تبرر عدم نهاية حكمها ,انها القيادة الغير محددة زمنيا وعلى رأسها القائد الخالد الى الأبد !
من يريد ان يصبح ديكتاتورا عليه أن يكون قبل ذلك ارهابيا ,لأن الديكتاتورية لاتعيش الا في مستنقع الارهاب , الذي تموت به أيضا , والنهاية الحتمية للمشروع الديكتاتوري هي نهايته , اذا لايعرف التاريخ ديكتاتورية أصبحت أبدية , ولا يعرف التاريخ ديكتاتوريات عمرت أطول من الديكتاتوريات العربية,ديكتاتورية القذافي أو مبارك أو علي عبد الله صالح أو بشار الأسد وصدام وغيرهم , ولا يعرف التاريخ لصوصية ديكتاتورية كلصوصية ديكتاتورية القذافي والأسد ومبارك وغيرهم , اذ يقال على أن الأسد سرق حوالي 70 مليار دولار! , ومبارك نفس الشيئ تقريبا وزين العابدين 32 ملياردولار والقذافي 68 مليار دولار وعلي عبد الله صالح من 50 الى 70 مليار دولار , الجرأة بممارسة السرقة أتت من شعور هؤلاء أن البلاد ملكا لهم ,لذلك لاينتابهم اي شعور بأنهم يسرقون , شعور الأصولي مشابه بخصوص الهيمنة المؤسسة على القطعية , التي لاتعترف الا به وبمقدرته وبالتالي احقيته في أن يحكم ويسرق وللأبد .
تلتبس الحدود بين الشخص وبين البلاد(الدولة) على من يظن أنه أبدي , انه الدولة , والدولة هو , على التاريخ أن يسجل لهؤلاء جرأة ووقاحة لم تعرفها البشرية الا نادرا , التاريخ اتهم لويس الرابع عشر بالفظاعة , لأنه قال على أنه هو بشخصه القانون , أما زعماء العرب فانهم كل شيئ , ليس القانون فقط , انما بالواقع كل شيئ , وحتى الحوار الذي يتم عادة بين جهتين , تريده الأصولية مع نفسها , انه حوارها ملكا لها تحت سقفها , الأسد أراد الحوار مع الأسد وتحت سقف الأسد , فالأصولي لايحاور غيره , لأنه ينقض بذلك قواعد وجوده كما قال روجيه غارودي , الحوار نقيض الأصولية , والأصولية نقيضة الحوار , فالحوار يستلزم التكافؤ , الذي لايمكن للأصولي أن يقر به ,انه متعالي وشاهق القامة , ولم يعتاد الا على التعامل مع عبيده وتوابعه , ولما لم يتصف الأسد الأصولي بالمقدرة على الحوار بنيويا , لذا لم يمكن التوصل معه الى أي حل لمشكلة ما , خاصة عندما كان هو بذاته المشكلة , هو بذاته المكون الأساسي لما يسمى ماقبل الحضارة و ما قبل الدولة , ومن لايزال في الغابة لايستطيع الا صناعة حضارة الغابة بالدبابة .
تتعامل الأصوليات سواء كانت دينية أو قومية أو ماركسية الخ مع الفرد بوصفها ذات هوية شبه الهية ومتعالية او مكتملة ونهائية , وبهذا المعنى , فالاصولي هو من ختم على عقله ووجدانه وجسمه بختم عقيدته او ايديولوجيته , والمحصلة من ذلك هي الاستقالة من التفكير الحر والنقدي ,تقويض الفرادة والاصالة بدعوى تعالي الاصل , ووحدانيته وثباته ومركزيته , فالأصولية بوصفها فكرا شموليا تنطوي وتنغلق على نفسها ..صفة كانت من أبرزصفات الأسدية , التي لاتريد اكتشاف أي شيئ جديد يمكن للحوار أن يوصل اليه , ولما الجديد ؟ , والأسدية كاملة متكاملة لا نقص أو شائبة بها !, الحوار كان تعبيرا مجازيا يقصد به “المحاضرة” , أي ان المحاور في سوريا الأسد هو الذي له الشرف أن يستمع لمحاضرات الأسد , التي تتخللها عادة نوبات من القهقهة , التي لايعرف المستمع سببا وجيها لها , من القهقهة الى التصفيق والتلفيق المقزز للنفس .
كانت مسيرة نصف القرن الماضي انتحارية , فالوطن فقد الحياة ومات في مقتبل العمر انتحارا , ذلك لأن الشعب دخل الأدغال المتوحشة مع القائد الخالد , وبذلك توحشن وتحيون واستقر في مرحلة ماقبل الثقافة وما قبل الحضارة وما قبل الدولة ,ثم مارس مع القائد الخالد التكاذب المتبادل تارة حول الاصلاحات وتارة اخرى عن الانتصارات وعن الرفاهية , التي عاشت بها الجماعات السورية المتبدونة المستعربة , قال وزير خارجية الأسد قبل الأخير ان سوريا ستكون قدوة لدول العالم في الديموقراطية , أي أن الوحش السوري سيصبح قدوة لبقية دول العالم , حقيقة لم يكن سوى قدوة للوحوش المفترسة ,انظروا الى سوريا اينما شئتم , هل يمكنكم رؤية شيئا غير التوحش والوحوش ؟؟
Post Views: 522