ممدوح بيطار, ميرا البيطار:
كلما ازداد العروبيون عصرا للعروبة ونبشا في جوفها عن مرجعية فكرية او عن امكانية انقاذ , ازدادوا غوصا في وحولها ,فالعروبة لم تحل اي مشكلة لابل كانت مصدر معظم المشاكل ومع الأصولية مصدرا لكل المشاكل , لم تكن العروبة سوى مظهرا خطابيا حماسيا في مناسبات التدجيل والتهجين , يغير العالم جلده ووجهه بفترات قصيرة , وكل شيئ يتغير ويتطور باستثناء العروبة , الباقية على عهد الفتوحات وأمجادها الغابرة ,وهل الفتوحات “أمجاد ” بما تتضمنه من احتلال وسرقة اراضي وممتلكات الغير لابل تذبيح الناس وتدفيعهم الجزية وهم صاغرون ثم تطبيق العهدة العمرية عليهم , والتي لايعرف التاريخ البشري انذل وأحقر منها , الفتوحات ليست أمجاد انما نكسة أخلاق وعطالة عقل وفساد مريع ,معارك الحاضر فكرية بالدرجة الأولى , فكيف سينجح العروبيون في معركة الفكر بعروبة لافكر لها , انما بعروبة تمارس اجترار الأوهام , عروبة فارغة , لم تنتج لحد الآن سوى الفشل , وكم دعا مهاتير محمد العروبيين والح على ضرورة ملئ العروبة على الأقل بمواد المعرفة العصرية , وبالاستفادة من خبرات الآخرين , التي يمكن الحصول عليها بدون مقابل!, الأمر بقي بدون جدوى !!
التردي عام وشامل كامل, وله العديد من المسببات , منها مثلا غياب الفكر أو مايسميه البعض المرجعية الفكرية الممثل لأزمة حقيقية تاريخية وحضارية بتجليات متعددة , منها أزمة الهوية, ينتمون الى شيئ لاوجود ولا معنى ولا مضمون له , وبذلك خلقوا بما يخص الهوية فراغا , تم ملئه بقمامة البدوية والفردية والعشائرية ثم الطائفية ومفاهيم الفرقة الناجية ثم الولاء والبراء وخير امة , ثم عدم المقدرة والارادة على صنع الجديد ,معظم شعوب العالم تجاوزت التعريفات التقليدية المنتشرة في هذه المنطقة ,يبحث العروبيون في صنوق العتائق ليبعثوا في الصدئ حياة لايمكن لها أن تكون حياة بحيوية , ماتوا بالصدأ والعفن وبالغيب والورائية العتائقية والايمان قاتل العقل ,لا ينجح العقل المقتول سوى في صناعة المزيد من التردي , ولا انقاذ للعقل الجريح المغدور سوى باحياء الشك والنقد والابتعاد عن المطلق والمقدس.
يتم تعريف الهوية ضمن الاطار الوطني الواقعي, فقيام دولة بأي شكل كان يفرض اطارا سياسيا مواطنيا , يفرز هوية ملزمة لمن اختار العيش في الاطار الجغرافي القانوني لهذه الدولة , في هذه الحالة تفقد المكونات الثقافية او الدينية او اللغوية كل الأهمية , فالماهية سياسية قانونية والهوية سياسية قانونية , نزعة التجانس المفتعلة والقسرية كالتعريب لاتخلق هوية , بل تعمق الأزمات لأنها تريد قولبة المختلف في قالب توحيدي فوقي افتراضي , الالتباس الأكبر كان في احتقار فكرة الدولة مقارنة مع فكرة الأمة , فالأمة هي الأصل والدولة ليست سوى نتوء مرحلي , يمثل تعريف الهوية بالأمة اغترابا معرفيا لاسوق له ولا تسويق , مصدر الهوية هو الدولة القانونية السياسية , الأصل في الأمة هو الدولة , وليس الأصل في الدولة هو الأمة, المفارقة تكمن في محاولة اقامة دولة على يد من يرفض الدولة في عصر تحولت به الدولة الى النموذج الوحيد لحياة المجتمعات , لاوجود لدولة امة الدين الحنيف ولا وجود لدولة الأمة العربية او القومية من المحيط الى الخليج .
بالمقابل كانت هناك سيول من الشعارات والخطابات البركانية , التي نتجت عن حركة اللسان دون أن ينطق بشيئ , انه ما يسمى اللغط المسطح عن المشاعر واللغة والاحلام والخلط بين الديني والقومي تحاببا وتحاربا بالتناوب , ثم اللغة والمقدس وضرورة الوحدة الخلاصية , فالشعوب تحلم بها وتنتظر الفرج من خلالها , لقد انتظروا الفرج والخلاص وخابت آمالهم دون ان يدرك العديد من العروبيون حتمية تلك الخيبة , ودون ان يدركوا أنه لم يعد بين شعوب هذه المنطقة اتجاهات وحدوية , لقد قضى العروبيون بالشراكة مع الاخونج على تلك الاتجاهات المشاعرية قضاء مبرما, أصلا لم تتعد القضية حدود المشاعر , ولم تدخل فضاء الموضوعية , ولا تكفي ادلجة التنظير القومي , الذي أرجع وجود امة عربية الى وجود قومية عربية أو بالعكس , ففكرة القومية العربية حديثة نسبيا , أي انها ولدت قبل قرن تقريبا , لم تكن هناك قبل ١٤٠٠ امة عربية شاملة لبلاد الشام وشمال افريقيا , انما كانت محصورة في الجزيرة العربية, ضم شمال افريقيا وبلاد الشام كان ممثلا لصيغة استعمارية الأبشع في تاريخ البشرية , والتي تمثلت بتملك مستعمرات الفتوحات كغنائم حرب.
لقد كانت وحدة ادارة المستعمرات, ولم تكن وحدة شعوب المستعمرات , كانت علاقة سوريا مع مصر كعلاقة سوريا مع اسبانيا , لم تشكل دول وشعوب الأمبراطولارية البريطانية أمة واحدة او شعبا واحدا أو مجتمعا واحدا , وحال اجزاء الأمبراطورية الحجازية مشابه, كذلك حال الأمبراطورية الرومانية مشابه , وفي كل الأمبراطوريات كانت هناك ادارة مركزية واحدة لشعوب ومناطق لم تكن واحدة , فبلاد الشام كانت منذ فجر التاريخ وحدة جغرافية ديمووغرافية , ولم تكن هناك وحدة جغرافية – ديموغرافية مع الحجاز او مع وادي النيل او المغرب , كما انها لم تكن وحدة مع اسبانيا او الهند أو كازاخستان او غيرهم من اجزاء امبراطورية الحجاز , شأن القومية العربية كان صورة عن شأن الامة العربية , مجرد اختلاق لوضع ,كانت الفكرة القومية العربية مجرد ارتكاس دفاعي تجاه او ضد حركة التتريك العثمانية , اذ لولا نشاطات الاتحاد والترقي لم تكن هناك قومية عربية .
ينحصر وجود الأمة التي تترقى الى مجتمع تكافلي تضامني في جوهرها السياسي , الذي يعني جوهر الدولة السياسية , الأمبراطورية الاحتلالية ليست دولة بالمعنى الجغرافي لهذه الكلمة , والأمبراطورية العربية الحجازية لم تكن بالمعنى الجغرافي شبه دولة الا في الجزيرة العربية , اصلا لم تكن تلك الأمبراطورية شبه دولة بالمعنى الديموغرافي ايضا , اذ لاعلاقة للديموغرافيا الهندية او الاسبانية او السورية او الشامية ببدو الجزيرة العربية , والدولة لاتتأسس على أساس اللغة او على اساس الانتماء الديني , انما على أساس المواطنة , وهل خالد ابن الوليد مواطن سوري بالمعنى القانوني او السياسي أو الأخلاقي للمواطنة , لا معنى لأمة تقع خارج حدود الدولة الجغرافية , اي لامعنى لأمة الاخونج , اي لاوجود لأمة عربية اذا ارتكز تعريف هذه الأمة على الدين وعلى اللغة فقط .
أخفق الاختلاق في فبركة أمة ليست بالأمة , اخفق المشروع القومي العربي لأنه لم يملك الأسس الداخلية الذاتية للنجاح , هنا أتت اختلاقية جديدة لتبرير الاخفاق , هنا اختلقت العوامل الخارجية , التي غلفت بغلاف المؤامرة اللعينة الكيدية , ونصبت كصنم ورمز وتبرير للاخفاق , الذي لم يصنعه حقيقة صنم المؤامرة , انما اصنام الداخل , الذين عبدوا انفسهم وارغموا الشعوب على عبادتهم , انظمة فردية شخصية لم تتمكن من الحفاظ على الوحدة داخل الدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى بدون جهودهم , فكيف ستتمكن هذه الأنظمة من انتاج وحدة مع دول أخرى ؟؟؟ , الفشل لم يكن بسبب الخارج انما بشكل رئيسي بسبب الداخل .
اول انتاج لسياسات ناصرالعروبية كان انفصال السودان , وأول انتاج لسياسات صدام كان انفصال الشمال والشأن السوري بالنسبة لشرق الفرات كان مشابها, وبالنسبة للمغرب كان بخصوص الأمازيغ شبيها , لذا يمكن القول ان هزيمة الوحدة والتقدم والنهضة كانت على يد الداخل , الداخل فشل في الحفاظ على الوحدة الداخلية بسبب اهماله لها وبسبب انهماكه بالوحدة الخارجية , التي لاتحقيق لها , وبالتالي فشلت الوحدة الداخلية والخارجية ايضا!.
