نورالدين ابو حسين حسين:
– إن دراسة الإيديولوجيا السياسية للحركات الإسلامية الراديكالية تقتضي التمييز بين الثابت والمتغير في خطابها، وهو ما يتجلّى بوضوح في مواقف أحمد الشرع، المعروف باسم “أبو محمد الجولاني”. ففي إطار رؤيته للعلاقة بين الدين والسياسة، يُقدّم الشرع تصورًا يتمايز عن المفاهيم الحديثة للدولة المدنية، إذ يرتكز على مبدأ “السياسة الشرعية”، الذي يُقصي إمكانية اجتهاد بشري مستقل في إدارة شؤون الدولة، ويُخضعه لمحددات دينية مطلقة.
▪︎ إشكالية الدولة المدنية في الفكر الراديكالي:
– يُعتبر الدين عنصرًا ثقافيًا موروثًا يعبر عن البعد الروحي للإنسان، إلا أن مقاربته السياسية تختلف باختلاف السياقات التاريخية. فبينما تعتمد السياسة في مفهومها الحديث على التطور الفكري واستقلالية القانون، ترفض التيارات الإسلامية الراديكالية هذه الفكرة، انطلاقًا من اعتقادها بقصور العقل البشري عن وضع تشريعات مستقلة عن التعاليم الإلهية. وبهذا، فإن الدولة الإسلامية – وفق هذا المنظور – لا يمكن أن تكون مدنية، إذ إن التشريع فيها يستند إلى قوانين ثابتة ومطلقة لا تخضع لصيرورة التاريخ أو لتغير الظروف الاجتماعية والسياسية.
▪︎الثابت والمتغير في خطاب الجولاني:
– في مقابلة مع قناة الغد اللندنية، أكد الجولاني أن هناك ثوابت شرعية لا تتغير، ومنها ضرورة إقامة دولة تحكمها الشريعة الإسلامية، واستمرار القتال لتحقيق هذا الهدف، وهو ما يُعدّ التزامًا أيديولوجيًا غير قابل للمراجعة. ومع ذلك، يقرّ الجولاني بإمكانية التكيف في “المسائل التكتيكية” وفق مقتضيات الواقع، مما يعكس استراتيجيات مرحلية دون المساس بالغايات الكبرى للحركة.
أما فيما يتعلق بالعلاقة مع الغرب، فقد شدد الجولاني في لقاء آخر مع قناة الجزيرة على استحالة التلاقي معه، معتبرًا أن أي محاولة للاندماج مع المنظومة الغربية تمثل “انحرافًا” عن المسار الإسلامي الصحيح. كما يرى أن التقسيمات الجغرافية القائمة ما هي إلا نتيجة “ظلم تاريخي” فرضه الاستعمار، مما يعكس تصورًا أوسع للأمة الإسلامية ككيان سياسي موحد، يتجاوز الدولة الوطنية الحديثة.
▪︎ السلطة والسياسة: قراءة في المشروع الإسلامي السياسي:
– انطلاقًا من هذه المواقف، يتضح أن المشروع السياسي الذي يتبناه الجولاني لا يخرج عن إطار الرؤية التقليدية للحركات الإسلامية الجهادية، التي تسعى إلى إقامة نظام حكم يستند إلى المرجعية الدينية المطلقة، مع توظيف التكتيك السياسي لتحقيق هذه الغاية. وعليه، فإن أي رهان على تحوّل سوريا إلى دولة مدنية علمانية ديمقراطية، وفق المعايير العصرية، يتجاهل الطبيعة الجوهرية لهذا المشروع، الذي يرى في الدولة الحديثة كيانًا مناقضًا للأسس العقائدية التي يستند إليها.
– مما تقدم، يمثل فكر الجولاني نموذجًا واضحًا لثنائية الثابت والمتغير في الخطاب الإسلامي الراديكالي، حيث يظل الهدف النهائي – إقامة دولة تحكمها الشريعة – ثابتًا وغير قابل للتفاوض، في حين تبقى الاستراتيجيات المتبعة لتحقيقه مرنة وقابلة للتكيف وفق مقتضيات الواقع السياسي والعسكري. هذه الرؤية تعيد إنتاج الإشكالية الجوهرية بين الأيديولوجيا الدينية والمفهوم الحديث للدولة، مما يجعل التعايش بينهما أمرًا بالغ الصعوبة في السياقات التي تسعى فيها هذه الحركات للوصول إلى السلطة.
