ممدوح بيطار , ما بيطار :
ليس للتعرض لصلاح الدين الأيوبي علاقة مباشرة مع شخصه , لأن هجاء أو مدح الأيوبي عديم التأثير عليه في قبره , التعرض هنا هو لثقافة التكاذب والتلفيق والدجل ثم تجاهل الفضائل والاقتداء بالرزائل والاستسلام للقيم المعكوسة , كل ذلك قاد وبقود الى تشوه كبير في نظرة أقوام هذه المنطقة للحدث تحليلا وبالتالي عدم تقييم الحدث موضوعيا والاستفادة من هذا التقييم .
لدينا صلاح الدين وقصصه وأعماله ولدينا المخرج السينمائي يوسف شاهين , الذي انتج فلما عن القائد العسكري صلاح الدين , ضخم من قوة عسكريته , وقلل من توحشه , ووضعه انسانيا في مصاف الملائكة , فماهو تأثير ديباجة فيلم يوسف شاهين المجانب للحقيقة على أقوام المنطقة , هل ازدادوا قوة بتضخيم قوة الأيوبي , هل تحولوا الى ملائكية الأيوبي ؟ , هل يمكن القول بأن فيلم شاهين الايجابي بالنسبة للأيوبي ليس الا عملية خداع للذات , أي تطعيم الرؤوس بالمزور بدلا من الصحيح , وأين هي الفائدة من التزوير ! , عندما يكون حبله قصير , والحقيقة ستظهر حتما عاجلا أم آجلا .
لايخضع ادراك الواقع (الحقيقة) الى الارادة فقط , وانما للمقدرة على الادراك والفهم ,وبالتالي المقدرة على التقييم الصحيح , تكمن أكبر صعوبات التقييم لشخصيات وأحداث عربية بدوية في عدم مقدرة الشخصية العربية أو العقل العربي المصاب بعدم التوازن والميل الى التجاهل وعدم المقدرة على استيعاب الفرق الشاسع بين الانتصار والنجاح,ثم في عدم التمكن من التعرف على القيم الانسانية الأخلاقية والتفاعل معها , لو ارادت الشخصية العربية بشكل عام تقييم أمرا ما , فانها تقيمه من خلال منطق مستقطب , والاستقطاب الأهم هنا هو لقطب العنف والافتتان بالنصر الحربي والتوسع وقتل كل من يقف في وجه قطب الحرب , العقل المستقطب حربيا وانتصارا ونرجسيا لايرى الا الجيد في الانتصار , بغض النظر عن الخراب والقتل المرافق لهذا الانتصار, انه انتصار على الحياة وبالتالي فشل , وهذا هو الفرق بين الانتصار والنجاح ,لاترى الأقوام المتبدونة في سيرة صلاح الدين الا انتصار الحرب والمحارب , وماذا عن البشر الذين انتصر عليهم صلاح الدين !,حساسية تلك الأقوام للشر والرزيلة حساسية “أجلاف”, حساسية معدومة !
يبدو وكأن القتل بحد ذاته قد تحول الى انتصار طبعا على الحياة , الانتصار هو المعيار الذي تقاس به القوة الذاتية , وكلما تضخمت هذه القوة ازداد الاستقطاب لها والتماهي معها , القوة العسكرية المتحيونة أصبحت هدفا ووسيلة وضمانا للمقدرة الخلابة على تحقيق الانتصار في الحروب , لم يعكر صفوى ضمير هذا العقل وأخلاقيته كون صلاح الدين الأيوبي قد تحول الى جراد بشري يفتك بكل شيئ اينما وطأة قدمه , حتى بأهل بلاد الشام , ناهيكم عن المصريين والسودانيين والكثير غيرهم , وماخص صلاح الدين الأيوبي خص زميله وشريكه نور الدين الزنكي الذي مارس مع صلاح الدين علاقة الزمالة -الخيانة , علاقة الخيانة المتبادلة , هذه كانت سمة العديد من العلاقات في الماضي بين المحاربين الساعين للغنيمة المادية أو المعنوية , هذه السمة وجدت طريقها الى الحاضر بشكل تمحور حول مفهوم المؤامرة أو الخيانة المسببة لكل مصيبة , لاتقتصر قدوة مفهوم المؤامرة (الخيانة) على الزنكي وصلاح الدين انما شملت معظم جوانب التراث القريشي الخلافي , وما مقتل أكثر من ٧٠٪ من الخلفاء راشدين أو غير راشدين الاتأكيدا لهيمنة مفهوم الخيانة والتخوين او حتى المؤامرة على العقل البدوي .
لايهتم العقل المريض بالنجاح في الحياة وانما بالانتصار في الحروب , على سبيل المثال لا اعتبار أو أهمية ولا اهتمام في قتل العلامة السهروردي تجويعا , لطالما انتصر صلاح الدين في معركة, ولا أهمية لذبح مالك بن نويرة في تقييم اخلاقيات ابن الوليد ,لطالما انتصر خالد ابن الوليد في مئة معركة على الأقل ,لا يتمكن العقل المريض الضرير فاقد البصيرة من تصور حال الشعوب تحت وطأة السيوف كسيف الله المسلول , الذي سمحت له أخلاقياته بممارسة الذبح من أجل اقتناص امرأة أو كعقوبة للمقصر في دفع الزكاة أو المتأخر في مبايعة أبو بكر , كيف سيتعامل هذا الشخص مع شعوب المستعمرات العزل ومع الشعوب التي عليها دفع الجزية ؟,العقل القاصر لايتمكن من ممارسة التحليل والاستنتاج بأن سيف الله المسلول شديد التأهيل لممارسة اغتصاب الحسناوات وممارسة الذبح الجماعي استهتارا مرضيا بقيمة الحياة , لذلك يلجأ هذا العقل في تقييمه لشخص ابن الوليد الى الحذف (subtraction), السيف المسلول رضي الله عنه وأرضاه لايقوم بأعمال من هذا النوع , وكل مايقال عنه كان كذبا وتدليسا مصدره الحقد على الدين , لم يذبح خالد ابن الوليد مالك بن نويرة ولم يسطو على ليلى أم تميم والأخبار الأزهرية(وجدي غنيم ) التي افتخرت بكونه ذبح مئات الألوف من العراقيين كانت تعبيرا عن حقد وتضليل , الصحابي الجليل معصوم عن الخطأ, وبالتالي قدوة !
العقل المريض متمحور حول الدين ,الذي يمثل ثروته الوحيدة , ومتمحور حول الانتصار الذي يمثل الطريق الى ثروته كماهو حال البدو في الحصول على غنائم الحرب , عند الغياب الحقيقي للانتصار, تتم فورا صناعة الانتصار الوهمي , المهم هو الشعور بالانتصار ..وهمي أو حقيقي لافرق , هل كانت هناك حقيقة موازاة بين ما ادعوه من انتصارات وبين ماتحقق فعليا من انتصارات ؟
بالعودة الى صلاح الدين الأيوبي والى تمكن العقل المريض من ممارسة الحذف والتزوير وتقبل الكوارث الخاصة بالفشل وعدم النجاح من أجل تخديم عصاب الانتصار أو عقدة الانتصار , هكذا لم يأبه هذا العقل المخمور المتحيون والمجرم بما فعله صلاح الدين مع الايزيديين في جبل سنجار, لقد كان قدوة لداعش والبغدادي , ولا مع الحشاشين الاسماعيليين ولا مع أهل حمص ولا مع شركائه , العقل المريض المتمركز حول الانتصار والمذهب اي المقدرة على القتل وتشريعه , لم يأبه بنتائج تعصب صلاح الدين الى السنة , تعصب سمح للبعض اعتبار صلاح الدين بطلا لاشبيه له , ليس لأنه حارب الفرنجة وانما لأنه انقلب على الدولة الفاطمية الشيعية , لاقيمة لكل الجرائم مقارنة بقيمة الانقلاب على الشيعة !!
تكمن أهمية صلاح الدين وغيره من المحاربين ليس في ذاتهم المحارب القاتل المحتل الممارس للخيانات والمقالب وتخريب الحضارات , وانما بكونهم الجراثيم التي قتلت الفضيلة وعززت مكانة الجريمة , وفي انتقال مرض التنكر للأخلاق الى العموم , ثم تعميم التعامي عن الآثام والرذائل والمنكرات , صلاح الدين محارب قل نظيره حربيا , ولكن هل صلاح الدين انسانا قل نظيره أخلاقيا !!!!, وهل يصلح صلاح الدين للحياة أو يصلح للموت والقضاء على الحياة , كلنا صلاح الدين ومن بيننا صدام وبشار وحافظ , كيف يمكن تصور الحياة مع شعب مؤلف من صلاح الدين وصدام والأسد والزنكي وأمثالهم , وهل من حياة لهذه الأقوم عندما تتحول جميعا الى صدام وبشار وصلاح الدين والزنكي , هل الزنكي المقاتل الذبيح والمحتال والممارس لعلاقة الصداقة -الخيانة مؤهل لأن يقتدي به مخلوق بشري , لقد أحيى الزنكيون ذكرى الزنكي على قارعة الطريق في حلب عندما ذبحوا طفلا فلسطينيا مريضا وعمره ١٢ سنة على قارعة الطريق مشهديا .
لو مات الزنكي وصلاح الدين والوليد فعلا لكان الترحم عليهم واجب , الا أنهم خالدون في شعوب لاتزال تمارس كار الذبح والسحل والصلب والحرق وبيع النساء , طائفية صلاح الدين مستمرة في الشعوب , وعنف صلاح الدين مستمر في عنف الشعوب , وبالمقارنة حجما لايمثل صلاح الدين سوى فأرا مقارنة بالفيل الذي تمثله الشعوب , وفعلة صلاح الدين ليست الا نقطة في بحر أفعال الشعوب ,الشعوب المشوة اخلاقيا بقيت على العهد ياصلاح , لقد تمكنت تلك الأقوام من قتل مليون انسان وتشريد الملايين خلال بعض السنوات, والآن عادوا الى نقطة البداية , فالى جولة أخرى ومليونا آخر!!
