النرجسية وانقاذ خير أمة من نفسها ….
ربا منصور ,ممدوح بيطار :
لامعنى ولا جدوى ولا فائدة من الادعاء بالانتماء الى خير أمة , الا اذا اعتبر المدعي بأن هذه الأمة متفوقة على الأمم الأخرى بخصائص جوهرية ترتكز على اعتبار الأمم الأخرى أقل خيرا من خير أمة , ومن أين سقط هذا الخير على هذه الأمة الخيرة ؟ هل هناك خصائص عرقية تميز بين المنتمي لخير أمة وبين المنتمي لأمة أقل خيرا ,ولنعبر عن مأرب هذه المفاضلة بشكل واضح وخال من أي التباس , انه تمييز عنصري لأسباب عضوية ولادية أو مكتسبة , ولندع الولادي جانبا لكونه عصي على البرهنة , الأمر كله بقضه وقضيضه مكتسب ,ومرافق لاكتساب الأمة للدين الجديد قبل حوالي ١٤٤٠ سنة , فبدو الجزيرة لم يكونوا قبل ولادة الدين الحنيف خير أمة , اذن لأن الأمة امة الدين الحنيف تحولت الى خير أمة وبالتالي متفوقة على الأمم الأخرى! .
الأمر ليس مجرد ثرثرة وتفاخر فارغ , فالظن بتملك خصائص متفوقة على خصائص الآخرين يترافق في كل الحالات مع سياسات بلغت قمة توحشها بممارسة التطهير العرقي كما فعلت النازية , وذلك حفاظا على الخير الأفضل ودفاعا عنه من الشر الذي يتربص به , اعتمدت النازية في اعتبارها للعرق الآري خير عرق على خواص اعتبروها علمية لاثبات الفوقية الآرية والصفاء العرقي مثل شكل الأنف وعرض الجبهة ومقاييس الجمجمة الخ , وعلى ماذا اعتمد بدو الجزيرة في ادعائهم بأنهم خير أمة ؟, مع العلم بأنهم في ذلك الوقت المبكر بعد ولادة الدين لم يكونوا محمديين حقا الا بالنطق بالشهادتين وترداد عبارة لا اله الا الله الخ , ولم يكن هناك كتاب دين , والشعوب البدوية كانت شعوبا شفهية لاتقرأ ولا تكتب , وعلى فرض كانوا مؤمنين حقا وعن قناعة واستيعاب للدين الجديد , يجوز لهم اعتبار نفسهم كما يريدون ! , ولكن لايجوز لهم ممارسة تلك الفوقية والغرور تجاه الآخرين .
هنا يمكن القول بأن ادعاء خير أمة , أي أفضلية هذه الأمة على غيرها انما هو ادعاء خرافي وجنائي بشكل خاص , لكونه يحط بشكل غير مباشر من قدر الأمم والأديان الأخرى , مفهوم خير أمة بمضمونه العنصري الديني محرم وممنوع من قبل الأمم المتحدة , فميثاق الأمم المتحدة كرر في نصه أربع مرات عبارة: “لاتمييز بسبب العرق أو الجنس (التمييز بين المرأة والرجل) أو اللغة أو الدين”…هناك أمما خيرة ولا وجود لثابت خير أمة, لأن الأمم تتغير وتتطور الى الأفضل أو الى الأسوء حسب الظروف .
بغض النظر عن هزالة مفهوم خير أمة الثابت , يمكن اتهام من يتشدق به بأنه يريد النصب والاحتيال للحصول على امتيازات سياسية واجتماعية واقتصادية ورمزية دينية لأنه ينتمي اعتبارا ذاتيا لخير أمة , ولهذا الاعتبار العديد العواقب , اذ لايجوز أن تحكم خير أمة من قبل من لاينتمي لهذه الأمة الخيرة اي من قبل مواطن ينتمي الى دين آخر , ولا يجوز لرئيس الجمهورية في هذه البلاد ان يكون من المنتمين لدين آخر, ولا يجوز لتابع للدين الحنيف أن يغير دينه عند زواجه بذمية , بينما يجب على الذمي تغيير دينه عندما يريد الزواج من مؤمنة ,هنا يتحول الانتماء الديني هو شارع باتجاه واحد , لايستقيم ذلك مع مقولة لكم دينكم ولي دين , ولا يستقيم مع ثقة هذا الدين بنفسه , السماح بالدخول ومنع الخروج هو خاصة من خواص السجون !.
يمثل اصرار البعض على كونهم خير أمة , احتقارا عميقا للغير بدون موجبات موضوعية , موضوعيا لايمكن القول ان أمة ابن عبد الله خير أمة ومتفوقة على غيرها من الأمم, ففي العديد من دول هذه الأمة يمكن رصد أسوء أشكال الانحطاط والدونية والاجرام والفساد والتأخر , فخير أمة لاتتقدم لأنها تشعر انها متقدمة بطبيعتها , لذلك سميت خير أمة, وتبقى خير أمة حتى لو علقت على ذيل الأمم الأخرى !.
مفهوم خير أمة نرجسي وضال موضوعيا , وهو من أكثر المفاهيم اضرارا بمن يرى نفسه على أنه من خير أمة, مفهوم معيق للتقدم وقاتل للنقد الذاتي, المسؤول حصرا عن امكانية التقدم , لاتتقدم أمة مخمورة بالنرجسية والانتفاخ والغرور والعنصرية والتصورات الخرافية بدون امكانية النقد والتطوير ,,وكيف يمكن الانطلاق من “خير أمة”عندما تكون هذه الأمة متقدمة بغيبيتها وتأخرها وتوحشها وعنفها وحروبها وادمانها على استنشاق غبار الجمل وصفين والردة وكربلاء وحروب الفتوحات والتكاذب على الذات, ولو كانت تلك الأمة حقا خير أمة لدفنت عثمان كما يدفن أي قتيل بلياقة , ولما ورثت الحكم للأبناء ولما تفرقت الى فرق لاتزال تبحث عن الناجية منها , خير أمة لاتدمر الأوطان ولا تتخذ من الفساد والعنصرية قانونا الخ , واين هي الأمم التي تهتدي بخير أمة تقتل مفكريها وتصلب الحلاج وتفرخ الديكتاتوريات ثم تتطفل على موائد العالم , لاتصاب خير أمة بالارهاب الأعمى والتطرف ثم مناصبة العداء لكل شعوب المعمورة تقريبا ..!
من حق وواجب كل أمة تجاه نفسها وتجاه الانسانية أن تكون جزءا من العالم تشارك في صنع ثقافتة وعلمه وبنائه وتطوره , خير أمة هي الأمة التي تقدم الخير للغير أي للانسانية جمعاء , انها الأمة المنفتحة والممارسة للنقد خاصة الذاتي , يختنق الخير في أي أمة تغلق نوافذها وأبوابها على نفسها , لا تحتاج اي أمة الى دين جديد ولا الى تجديد الدين , تحتاج كل أمة الى الوقوف خارج الدين الجامد , الذي يعمي البصيرة , لافراطه في اليقينية والنرجسية والقطعية والتقديس وفي الاحتيال والتكاذب على الذات !
Post Views: 442