حروب الاستقلال وطواحين الهواء…..
ميرا البيطار , سيريانو سيريانو :
لماذا نظر الفكر القومي بازدراء ورفض الى التراث العقلاني والتنويري الغربي , وتنكرله ثم رفض الاستفادة منه , وتمركز بشكل رئيسي حول موضوع الاستقلال بمفهومه البدائي , الذي يعني استمرار معركة استنكار الاستعمار لفظيا وتحميله المسؤولية عن عدم الاستقرار والفشل , بالرغم من انه لم يعد للاستعمار وجود عسكري بعد عام ١٩٤٦ , استمرت الأوضاع وكأن السوريون لايزالون في تلاثينات القرن الماضي , اي في مرحلة استنكار الاستعمار والثورة عليه , وفي مرحلة الجهل بما تتطلبه اقامة دولة ورعايتها من خبرات لم تكن متوفرة بعد استعمار حجازي – عثماني دام ١٤٠٠ سنة تقريبا ,لم يتعلم السوريون من الاستعمار الحجازي – العثماني الا الفساد وسوء الادارة , اذ لم يملك الخلفاء القريشيون والسلاطين العثمانيون اي خبرات في ادارة الدولة , لأن الخلافة والسلطنة لم يكونوا دولا , لذلك ارتأت عصبة الأمم المتحدة أن تطلب من فرنسا مهمة الاشراف على تطوير المقدرات السياسية السورية لتصبح متمكنة من ممارسة الحكم الذاتي , لم يفهم السوريون ذلك المقصد , لذلك اندلعت عدة ثورات ضد الوجود الفرنسي, مما دفع الفرنسيون الى الرحيل , الذي رحب به كل السوريون في ذلك الوقت , والآن يتحسرون عليه, لأنه بالمقارنة مع ما يسمى الحكم الوطني كان الانتداب وطنيا أكثر من الوطنيين المحليين من بعث واخونجية وغيرهم .
على الرغم من التحفظات على الانتداب الفرنسي , كانت فترة الانتداب من أفضل الفترات التي عاشها السوريون , الذين انشغلوا بعد الاستقلال بممارسة الكلام الخشبي واختراع الشعارات الرنانة , وبذلك تمكنوا من تكريس الفشل ومارسوا الاستبداد والاستعباد والتجهيل ,لابل حققوا الشرذمة والتقسيم واشعلوا نيران حروب أهلية دمرت البشر والحجر , ناهيكم عن وضع الاقتصاد والفساد والجوع والتشرد ووضع التعليم والحريات , الذي كان أفضل في ربع قرن الانتداب مقارنة من مايسمى عصر الاستقلال , الذي لم يعرف سوى النكبات والكوارث والتراجع والتأخر والأزمات , التي لم يتمكن العروبيون وشريكهم الاخونجي من ايجاد حلولا لها , اقتصرت الحلول على الزعيق والتصفيق والحديث عن الاستعمار وكيده ومؤامراته وضرورة التخلص منه بالرغم من عدم وجوده بالشكل الذي يجب أو يمكن التخلص منه .
استمر العروبيون لفترة طويلة في المعركة الكلامية من أجل الاستقلال الذي أصبح عمره ١٠٠ عام تقريبا , ولا عجب في ذلك عند ادراك حقيقة مآربهم , لقد كان ذلك توظيفا لمادة للاستقلال في تحسين شروط بقائهم ,فنضالهم الدونكيشوتي من أجل الاستقلال الى أمد غير محدود كان الضمان لبقائهم على الكراسي لأمد غير محدود ايضا , وهل كان بامكانهم القيام بغير الاتجار بمادة الاستقلال في بازار السياسية والوطنية ؟, ارادوا الكرسي والاتجار بالاستقلال ضمن لهم الكرسي , اي حققوا أهدافهم !
في هذه الأثناء تسلل الى الوجود العروبي نوعا آخر من الاستعمار , الذي فاق قدرة العروبيين وشركائهم من الاخونج في التصدي له وجانب ارادتهم في التصدي له أيضا , انه استعمار الفقر والتأخر والقصور في بناء المجتمع القادر على اقامة دولة , ثم العجز عن مواكبة التقدم والترقي ناهيكم عن صناعة التقدم والرقي , و عن تحسين الشوط المعاشية للمواطن , الذي كان عليه عندئذ أكل الاستقلال وشربه , والاستقلال لايؤكل ولا يشرب .
اضافة الى تحويل الاستقلال الى مادة استهلاكية في بازار السياسة , تم ضم قضية فلسطين الى المواد الاستهلاكية السياسية , فمن أجل استهلاك قضية فلسطين بشكل أفضل لهم , كان لزوما على العروبيين من بعث واخونجية احياء ثقافة الحرب والطوارئ وتبرير سرقة العسكر للميزانيات , قضية فلسطين كانت المبرر لدوام العسكرة ودوام استنذاف المقدرات الاقتصادية من قبل الجيوش , التي لم تحصد سوى الهزائم , يدعون بأنهم حاربوا من أجل فلسطين وبالنتيجة قادت حروبهم من أجل فلسطين الى توسع الأرض المحتلة , لذا أصبح من الضروري أن يحاربوا ليس فقط من أجل فلسطين , وانما اضافة الى ذلك من أجل الجولان والضفة الغربية وجبل الشيخ وجنوب لبنان الخ , مما قاد الى تحسن شروط بقائهم , وسمح لهم بترسيخ الاستبداد والهيمنة عن طريق تكريس الدولة الأمنية الشمولية وتبرير التعبئة الحربية من أجل كذبة التحرير , التي لم تكن سوى ثرثرة .
لم يترافق فقدان الجولان بالشعور بضرورة المراجعة والنقد الذاتي , لابل قاد ذلك الى انطلاق موجة الامتداح الذاتي من قبل ابطال الفشل , والى ترقية أبطال الفشل , فوزير دفاع الفشل تحول رئيس الفشل , ورئيس الفشل رفض استرداد الجولان من أجل عشرة أمتار مربعة , لم يصاب رئيس الفشل بالجنون لكي يسمح بتناقص المواد الاستهلاكية الضرورية لبقائه , فبقائه أهم من بقاء الجولان سورية , لم تدرك العسكاراتاريا أن حرية الوطن هي جمع لحرية الفرد , وقوة الوطن هي جمع لقوة الافراد أي لقوة الشعب ,التبس على الديكتاتورية العسكراتارية أمر الفرق بين استقرار الوطن وبين استقرارهم على الكرسي , بالرغم من ذلك , عملوا , كما هو متوقع , من أجل الكرسي عن طريق اضعاف الوطن , فكلما ضعف الوطن ازدادوا قوة ,وكلما ازدادوا قوة ضعف الوطن !
حارب التيار العروبي الاخونجي بديكتاتورياته الشعوب التي ادعى الدفاع عنها , وتحارب الشركاء احيانا بشراثة من أجل تقسيم الغنائم بأبشع وسائل التوحش في الحروب , كل منهم اراد الحصة الأكبر من كعكة السلطة ,في ظل تلك الخلافات وممارسة القمع والسجن والقتل تحت التعذيب والمادة ٤٩ واغتيالات الأشخاص والتفجيرات , نمت الأصولية الدينية تحت عباءة المظلومية وتسربت الى معظم جوانب الحياة السياسية والدستورية , وسجلت انتصارات كفرض احكام الشريعة على قانون الأحوال الشخصية ,تتوج كل ذلك قبل سقوط الأسدية باستسلامها للأصولية , هنا تم حل الاتحاد النسائي والترخيص للقبيسيات ثم المشروع رقم ١٦ و العزم على حل شبيبة الثورة واقامة منظومة الشباب الاسلامي , ثم تكليف وزارة الأوقاف بالاشراف على كل الوزارات الأخرى , اي ان الدولة أصيحت محكومة من قبل وزير الأوقاف عبد الستار السيد , كل تلك التطورات برهنت عن تلاشي العروبية نهائيا , أصلا لم يكن من حكم باسم العروبة البعثية عروبي , ولم يكن بعثي انما اسدي ولم يكن حتى اخونجي شيعي أوحتى علوي , كان سفاحا مرتزقا سارقا جمع المليارات وارسلها الى روسيا ,ثم هرب الخسيس في ليلة ليلاء مع ملياراته وسلم السلطة للاخونج بدون اي مقاومة , كاستمرارا لتسليم السلطة لعبد الستار السيد , عمليا لم يتغير اي شيئ في سوريا , لأنه لافرق بين عبد الستار وبين الجولاني .
تنحصر مسببات استنكاف الاخونج شيعة وسنة عن محاربة الاستعمار الجديد المتمثل بالفقر والفاقة والاستبداد والاستغلال وانعدام المساواة وانعدام العدالة الاجتماعية ثم انعدام الديموقراطية , بعدم المقدرة على القيام بذلك , بسبب غياب المنهجية الضرورية لذلك , ثم غياب ارادة القيام بذلك , فتقدم الشعوب يعني انحسار الديكتاتورية العسكرية والدينية , ومن غير المتوقع أن تعمل الديكتاتوريات على الغاء نفسها ,أتى الديكتاتور ليبقى بأي ثمن , خاصة وأن الشعب هو الذي يدفع الثمن.
Post Views: 558