ميرا البيطار ,جورج بنا :
تلف شروط المعيشة هو مجمل سياق الحياة اليومية في سوريا,لاجديد في البلاد !!, أصلا يجب أن يبدأ النحيب والبكاء في كل يوم من الصباح حتى المساء , اذ لا يوجد ولم يوجد في سوريا مايبعث على الفرح والراحة , حياة كلها شقاء وعذاب وامتهان للكرامة وللحرية وسلب للارادة وفقر متزايد ومستقبل كالح السواد , وعن الحاضر وكارثيته فحدث ولا حرج , المحظوظ من يستطيع النزوح واللجوء , وحتى التطفل على مجتمعات أخرى أصبح فضيلة , لم يترك التراث المستمر بالأسدية والجولانية للبلاد أي جاذبية عقلانية , حب الوطن أصبح نوعا من القسر النفسي , واحترام الوطن أصبح نوعا اللاموضوعية , وخيانة الوطن أصبحت واجبا , كما نصح محمد الماغوط ,الوطن الذي لايحترم المواطن جديرا بالخيانة !!, الوطن أصبح جديرا بالخيانة ! , يا للمهزلة والسخرية !!.
لقد تدهورت القيم وانحطت الأخلاق وأصبح الفساد مرشدا وقانونا , الفاسد شاطر والنظيف غبي , كل ذلك ليس بالجديد ,انه قديم قدم التراث وقدم الاسدية والسلفية الأصولية التي تريد البقاء مهيمنة الى الأبد ,وبالتالي يبقى الوطن في السجن مؤبدا .
لم يعد هناك “سوري” في هذه البلاد , هناك طوائف وأفراد بانتماء طائفي ديني أولي , أما” السوري” فقد انقرض ولم يعد له وجود ,الانقراض كان أصلا من استحقاق مابقي من الطوائف والطائفية وحروبهم ,ولو انقرضوا!, فهل يجوز التأسف على انقراضهم ؟ وماذا تخسر الانسانية بانقراض هذا الجنس الطائفي النجس ؟ تصورواعالما بدونهم وقارنوه مع عالم معهم , ايهما أفضل ؟.
لقد ازداد تطييف الشعب السوري نتيجة للجهود التي بذلتها الأسدية وتستمر الآن بالجولانية , هناك طائفة السلطة بمشاريعها وأولها الهيمنة القسرية بالبندقية ,ولكن هناك بعض الاستثناء , اذ أنه لاوجود “لطائفة” مسيحية بالمعنى التقليدي لمفردة طائفة , هناك مسيحيون بدون طائفة , فالانتماء الى دين معين لايعني الانتماء الى طائفة ولا يعني ممارسة الطائفية , لأن تكوين الطائفة الطائفية يعتمد على وجود “مشروع” (كما قال أدونيس بحق) , والمشروع السياسي عادة يقود الى “التراص” بين أفراد مذهب معين , وبالتالي الى تكوين طائفة طائفية بطبيعتها , والمثل الموضح لهذا الأمر هو طائفة السلطة الطائفية ,وأي سلطة كانت منذ ١٤٤٠ سنة , ,لافرق بين طائفي وآخر ولا بين طائفة وأخرى فوجودهم الطائفي لايستقيم مع جوهر الوطن ,لابل يلغي الوطن اي الوثن , لايسمح الوجود الطائفي بقيام الأوطن , لأن الوطن الحقيقي سيلغي الطوائف الطائفية .
المغضوب عليهم دينيا , كانوا البعثي أو الشيوعي أو السوري القومي أو الناصري سياسيا الخ , لايستظل هؤلاء بظل طائفة , فالطائفة تعني التراص بين أفراد مذهب معين, ثم التقوقع والانغلاق ,وللطائفيين مشروع سلطوي خاص بالطائفة , لكن لاوجود لمشروع سياسي سلطوي لمن ينتمي في سويا لمذهب المغضوب عليهم ,أي أنهم لايمثلون طائفة كالطوائف الأخرى, انتماء المغضوب عليهم كان سياسي بالدرجة الأولى , بينما انتماء الطائفيون من الذين رضي الله عنهم مذهبي بالدرجة الأولى , أولا الدين وبعد الدين يأتي الوطن بمسافة كبيرة جدا , أو أنه لايأتي ابدا لكونه مرفوض شرعا , الوطن وثن وعبادته ممنوعة كعبادة الأوثان, وكأن الله ليس وثن !!!!!!, نذكر بما قيل مؤخرا من أن واجب المواطن هو خدمة الدين وليس الوطن , لأن الدين هو الوطن !!!!!!.
لما أصبح الشعب السوري تجمع طوائف طائفية وملل حسب المفهوم العثماني , لذلك تحول المغضوب عليهم الى غرباء في بلاد تحتلها وتملأها الطوائف,لا تمثيل لهم في الديباجة الطائفية , لأنهم لايمثلون طائفة بالشكل والمضمون المألوف , بذلك تحولوا الى هامش مهمش وهامشي , لا حصة لهم في تشكيلة المحاصصة الغير معلنة رسميا ,والتي تتم ممارستها عمليا , فالحصة للطائفة ,التي لاوجود لها بين المغضوب عليهم ,هؤلاء فقدوا الأهمية , لأن الأهمية للطوائف الطائفية وللمقاتل الجهادي الطائفي .
يتجذر هذا الوضع الطائفي في البلاد منذ قرون عرفت مراحل تأجج ومراحل خمود أو كمون , الا أن وجود هذا الوضع مستمر بشكل ما ,بالرغم من وضع اي حديث عن الطائفية تحت طائلة العقوبة في نصف القرن الأسدي , لقد عارضنا انكار وجود الطائفية في مرحلة الأسدية , وحذرنا من مغبة التجاهل , ومن تسبب التنكر والتجاهل في تأجيج الطائفية وليس في اخمادها .
تمظهر تأجج الطائفية في العصر الجولاني بالعديد من الأحداث في الأسابيع الخمسة او الستة الماضية , منها الاعتداء على الرمز الذي تمثله شجرة الميلاد بالحرق , ومنها تسيير قطعان المرشدين الى الفضيلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, الذين أعطوا الأوامر للنساء بمكبرات الصوت بضرورة التحجيب لابل التنقب , ومنها ما حدث قبل يومين في حي القصاع الدمشقي , وما حدث أمس في جامعة الحواش, ومنها اعلانات وزيرة شؤون المرأة عائشة الدبس , ومنها ايضا تحطيم تمثال مريم العذراء في معلولا على يد مجاهد من النصرة أصبح وزيرا في الحكومة الجولانية الحالية, ومنها مهرجان جبلة المشين , سوف لن نتطرق بالتفصيل الى ماحدث مع اهل الساحل من ارغامهم على العواء كالكلاب او النهيق كالحمير , ناهيكم عن القتل والصعق الكهربائي والرفس ,كل ذلك حصل في الأسابيع الأخيرة , من الضروري الاعتراف بأننا لسنا على علم بكل ما حصل واقعيا , من المتوقع أن يكون الواقع أبشع بدرجات !.
لقد ساعدت ما تسمى “جغرافيا الطائفة” على تفاقم بلورة الحالة الطائفية ,بالمقابل هناك أفراد ينتمون الى مذهب معين بدون “جغرافيا”, ليس للمغضوب عليهم جغرافيا معينة كالطائفة الدرزية المتوضعة في الجبل ,وليس لهم جغرافيا طائفة الساحل او الداخل, وليس لهم جغرافيا الأكراد , فمن منطلق “جغرافي”يمكن التفكير بدويلة منفصلة , أي شرذمة وتقسيم البلاد, توزع المغضوب عليهم على كافة ارجاء البلاد دون أن تكون لهم منطقة معينة ومتصفة بوجود مكثف لهم , قلل من مخاطر تقوقعهم وبالتالي التفكير باقامة دويلة في تلك المنطقة , لاينطبق هذا الأمر على بقية الفئات المتطيفة المغلقة , الخريطة السياسية لسوريا الآن تبرهن عن صحة هذه الفرضية .
نتيجة لكل تلك العوامل تحول المغضوب عليهم الى جماعة ثانوية بدون مشروع مثل اقامة دولية او حتى حزب سياسي كالاخوان , لذلك أصبحوا استثناء وشواذ في البيئة الطائفية وبين الطوائف الأخرى , لذا لفظتم الطوائف وتسارعت هجرتهم وتناقصت نسبهم بشكل مستمر على مدى العقود والقرون , ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة الى ٠٪ عام ٢٠٣٠ .
لا نعتبر هذا التطور بشكل عام شيئا غريبا وغير مألوف تاريخيا ,فالتاريخ يعرف نتائج عدم الانسجام بين فئات الشعوب,والتاريخ يعرف مسببات عديدة لتلاشي العديد من الفئات وقيام فئات جديدة , انها ديناميكية التاريخ , ثم أنهم بهجرتهم وانقراضهم يسعدون غيرهم , وهم سعداء بدون شك على المدى المتوسط والبعيد , أغلب الظن أن مستقبلهم سيكون أفضل في بيئات أخرى , لذا عليهم عدم التردد في الهجرة والبحث عن اوطان جديدة , لقد كان هناك مغضوبا عليهم في سوريا , وكانت هناك دولة اسمها سوريا !!,والآن لاوجود لهؤلاء ولا لتلك الدولة !.
