ممدوح بيطار , ربا منصور :
يضع المجتمع لنفسه سلالم أو قواعد للاعتبار والاحتقار, تخضع نوعيتها الى شروط الحقبة التي يعيش الانسان بها , الثروة على سبيل المثال تحدد نوعية الاعتبار , وكذلك تفعل السلطة وتفعل الجندرية والعديد من العوامل الأخرى , الشرف مختلف عليه وغالبا ما يعني خاصة الارتفاع والعلو , ففي حقبة الاقطاعية كان الشرف حكرا على الاقطاعيين الذين اطلق عليهم اسم “نبلاء” , وفي حقبة دينية احتكر النسب لابن عبد الله صفات الشرف , مثلا شريف مكة,وهناك ” السيد ” حسن نصر الله , وهناك نسب صدام حسين , الذي وصل الى الأنبياء حسب اعتباره لنفسه, في حلقة نقاش حاولت المحامية اللبنانية بشرى الخليل ارغام محاورها على تسمية نصر الله “بالسيد” , نظرا لنسبه الى أحد المرسلين.غيرت الحقبة الرأسمالية تلك الاعتبارات باتجاه المساواة بين المرأة والرجل امام القانون وفي الحقوق والواجبات , بعد الحقبة الرأسمالية كانت هناك حقبات أخرى غيرت بعض جوانب موضوع الاعتبار والاحتقار ,ولكن كل ذلك مر على الشعوب العربية مرور الكرام , اذ لاتزال هذه الشعوب تسبح في مستنقع اعتبارات مثل اعتبار خص العار , ثم اعتبارات خصت الحلال والحرام , الصق مفهوم العار بالمرأة , مع تركيز على فرجها , الذي حدد اعتبارها شريفة او ليست شريفة , المرأة الشريفة هي العفيفة, وبالرغم من كون مفهوم العفة يخص كل انسان ذكرا أو انثى , الا أن الذكر لايتهم عادة بخروجه عن قواعد العفة مهما فعل , العفة تعني لغويا التقيد بأحكام الله وأحكام ابن عبد الله , وهل يتقيد الذكر دائما بتلك الأحكام؟ , وماذا عن موضوع العفة قبل الدعوة ؟ , وكيف كان مكان العفة في الجاهلية او في الأزمنة الغابرة التي لاتعرف سوى أحكام الأصنام ؟
تهيمن على العديد من المفاهيم طبقة سميكة وكثيفة من الضباب , يبدوا وكأن قول أرسطو ان “الخشب نار بالقوة ” لكون احتراق الخشب يولد نار , يطبق على المرأة , التي تختذل حسب المفاهيم المحلية الى جسد , والجسد يختذل الى فرج , الذي تحول الى عار بالقوة كخشب ارسطو , تتموضع الانثى بفطرتها الافتراضية وتكوينها الجسدي حول الفرج , وتعتبر من ملحقات الفرج , انها ككيان فرج يملك جسدا , وليست جسدا بفرج او يملك فرجا, انها بذلك مولودة ومخلوقة بعفة مهددة , اي انها مخلوقة بدون عفة أو بعفة هشة ومهمشة , اي أنها كائن لا أخلاقي بطبيعته , لذلك يجب مراقبته والتحكم به والوصاية عليه .
تختنق جماعات هذه المنطقة في أكوام من “الزبالة ” حسب تعبير محمد صالح , ومن أنواع الزبالة او القمامة , تلك الازدواجية التي تصل الى حد انعدام وجود عقول في الرؤوس , يعتبر الفعل الجنسي اللاشرعي , الذي يتطلب مشاركة المرأة الفعلية أو التصورية كما هو الحال في الاستنماء ,عارا يلصق بالمرأة , ويشمل حتى عشيرتها أو عائلتها , بينما يوعد الصالحين اي المؤمنين بجنان السماء , التي تقتصر الحياة الأبدية بها بشكل رئيسي على ملذات الذكر الجنسية , لاذكر في الجنة لمذات النساء جنسيا ,ولم تصل حصة المرأة من الرجال الى ٧٢ رجلا كما هو حال الذكور وحصتهم من حور العين , لابل تعتبر ملذة المرأة الجنسية أمرا قبيحا “قبحها الله!!! “, انها مهانة بالفطرة وعار بالقوة كما يدعون , قد تكون تلك التصورات مصدرا للشتائم المهينة في المجتمع والمطبوعة بطابع جنسي نسوى يهتك جسد المرأة بالدرجة الأولى, يقال ابن العاهرة ولا يقال عادة ابن العاهر !.
لانعرف بشكل مؤكد من اين اتت تلك التصورات والشتائم الشوارعية مثل ابن العاهرة وما يقابلها من نصوص وآيات لاتختلف عن الشتيمة الشوارعية الا بكونها اشد انحطاطا من الشتيمة الشوارعية , الشتيمة الشوارعية ليست مقدسة , بينما شتائم النصوص مقدسة , هنا تكمن المفارقة المؤلمة ,فالسيئ الشوارعي بذيئ ولكنه ليس مقدس , بينما شتائم النصوص الأسوء مقدسة , من شتائم النصوص القول ان المرأة ناقصة عقل ودين , كذلك أمر الشهادة وأمر الدية وأمر الضرب والقوامة والحظ ثم اعتبار المرأة متاع للرجل , جرائم الشرف أسوء من شتائم الشوارع بدرحات ,لا وجود لممارسة أحقر وأبغض من الرجم بتهمة الزنا , مع العلم بأنه لاوجود للزنا , لأن العلاقة الجنسية الطوعية ليست زنا , والعلاقة الجنسية القسرية ليست زنا انما اغتصاب , من غير المعروف لدينا ان أنثى اغتصبت يوما ما ذكرا بشكل قسري !.
يبقى السؤال من اين أتت الشتيمة المقدسة ولماذا خصت الشتيمة الشوارعية جسد المرأة بالدرجة الأولى بدون جواب واضح!,هذا ما سنحاول شرحه في تتمة لهذه المقالة
