جورج بنا , ما بيطار :
غابت المؤامرة بعض السنين عن الوجود الثقافي والسياسي العربي , ثم عادت بعزيمة أقوى , وفي الوقت الذي ازداد به الفشل , ازدادت وتيرة تصور وتخيل المؤامرة , وكأن هناك علاقة طردية بين حجم المؤامرة وحجم الفشل.
بالرغم من أن البشرية تعرف المؤامرات , الا أن ابداع شعوب هذه المنطقة تخصص في انتاج تصورات خيالية عن المؤامرة المسؤولة عن الفشل , ابدعت التصورات في انتاج التبريرات اللازمة لتقبل الفشل , وفي الترويج اللاشعوري للاستكانة والاستسلام له ,خاسرون لأنهم لايقتدرون على مجابهة المؤامرة, التي يقف ورائها كل قوي وشرير في هذا العالم ..لاحول لهم ولا قوة!!! .. لذا اعذروهم وتفهموهم ,انهم مدمنون على الفشل ومبدعون في اختلاق واختراع التبريرات التوهمية اللازمة له .
من أين أتى كل ذلك الخيال في تصور مقدرة المؤامرة ؟ , هل سقط على العرب من السماء , أو أنه من انتاج الخيال , ذو العلاقة بالتراث والتجارب والقيم والغيبية!,لاسقوط من السماء انما صناعة على الأرض , وعلى الأرض ازدهرت مفاهيم ولدت في ظل العادة والعرف والتقليد والدين , فالغيبية تحتاج الى فضاء وجدته عند هذه الشعوب , وفي ظل الغيبية ازدهرت الحجج النقلية, التي ساعدت تخيلات وتصورات المؤامرة على الظهور , النقل حذف الحاجة للعقل , وحياة بدون عقل فاشلة , فشلت الشعوب بسبب تعطيل الانتماء الى الحاضر وازدهار الانتماء الى الماضي ,فالنقل ليس الا وسيلة لاسقاط الماضي على الحاضر, سيفشل حاضر ومستقبل من ينتمي الى ماضي متأخر ومنحط أصلا .
نقل ذلك الكم الهائل والتراكمي من الاشكاليات الى حاضرهذه الشعوب والانشغال العقيم باشكاليات كان لها أن أن تموت, استنزف مقدرات الحاضر وعرقل اعطاء اشكاليات الحاضر مايلزم لحلها من اهتمام , أصبح الانسان ماضوي بانشغاله واهتمامه , ماضوية احتكرت مقدراته واهتمامامته بشكل مطلق أو شبه مطلق كانت قاتلة للحاضر , لأنها صبغت هذا الحاضر بصبفتها العتيقة البالية وحولته الى ماضي ,ماضوية عرقلت حتى شغف الانسان بحاضر مشرق , لاحاضر ولا مستقبل لمن ينتمي الى الماضي بفكره وجهده وهدفه, خاصة الى ذلك الماضي الذي كان حتى في سياقه التاريخي متأخر ومنحط .
الملاذ كان التبرير المؤسس على تجنيد التصور والخيال في اكتشاف العلة وتبريرها ,الخيال خصب ومن منتجاته تصورات عن القوى الشريرة الخارقة التي تتآمر وتخطط من الخارج ,امبريالية ..صهيونية .. مخابرات .. .جماعات سرية وماسونية تريد القضاء على الدين الحنيف ,ففي المناخ والجو الغبيبي يصبح تسويق الفرضيات أسهل من تسويق النظريات , وذلك لابتعاد الفرضية عن الواقع الموضوعي, واقترابها من المناخ الغيبي بعكس النظرية التي تبتعد عن الغيب وتقترب من الموضوعية , تصورات تبريرية للفشل وتبرأة من المسؤولية , تبريرات تستخدم مظلومية الانسان المحطم ثم الوهم والخرافة والتكاذب, انها اشكالية خلل فكري سياسي اجتماعي تاريخي في التفاعل والتعامل مع الواقع ,كل ذلك كان مقدمة لكارثة وقعت فعلا .
لقد وعد الخالق الأمة بالنصر لأن هذه الأمة هي “خيرأمة” اخرجت للناس,” تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن اهل الكتاب لكان خيرا لهم, منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ,ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”, لم تكن حقيقة خير أمة سوى آخر أمة , خير أمة , التي ستنتصر وقعت في مطب الانحطاط والتأخر والهزيمة والفقر , فكيف خير أمة ينصرها الله يأتيها الصهاينة ويحتلوا الأرض والغرب يذلها ومعظم شعوب الكون لاترى اي خير في هذه الأمة!.
كيف يمكن للمؤمن الجاهل تحليل وفهم هذا الواقع المتصدع !, هنا كان لابد من انفلات التوهم , الذي عليه اختراع التبرير المؤامراتي , الذي يعيد تأهيل الذات معنويا , حقيقة لم ينتصر الخالق لخير أمة ,حتى الخيال والتصور كان عاجزا عن تفسير قصور الله في انتصاره لخير أمة , يبدو وكأن الخالق انهزم أمام المؤامرة أيضا ؟
