ممدوح بيطار , عثمان لي :
تكمن أهمية الدولة في كونها تؤطر الفعل السياسي والاجتماعي الاقتصادي بشكل يؤمن مصلحة داخلها ويراعي خارجها , بشكل متوازن الى درجة تضمن مصالح الداخل مع مراعاة مصالح الخارج , خارجيا يجب أن تنصب الجهود على صناعة الأصدقاء ,واقامة العلاقات الجيدة المثمرة , ولدت هذه الصيغة اي صيغة الدولة عام ١٦٤٨ في اطار ما تسمى اتفاقية فيستفاليا , وفستفاليا مقاطعة في دولة المانيا الحالية , رأت هذه الاتفاقية وضع السياسة تحت ارادة المجتمع ,اي تحت سلطة العقد الاجتماعي ,الهدف من ذلك كان نهضة المجتمع في مجالات الادارة العامة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وأمنيا ثم علميا تفاديا للأضرار التي يمكنها أن تقود الى التأخر والتجزئة والتفكك , تحققت معظم الأهداف في معظم الدول خارج المنطقة العربية , ولم تتحقق في الدول والمجتمعات العربية ,التي لم تعرف سوى التفكك والتأخر والفشل بعد قيام هذه الدول في النصف الأول من القرن العشرين .
منيت الدول التي قامت او اقيمت بعد الحرب العالمية الأولى في منطقة الشرق الأوسط بالفشل في كل المجالات داخليا وخارجيا , لا اصلاح ولا تقدم ولا عدالة اجتماعية ولا حريات ,بل ديكتاتوريات وارتشاح بمنظومات لاتمت للعصر ولا للتاريخ العالمي كداعش وأشباه داعش والجهاد من أجل اقامة الخلافة , ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط , انما في دول اللجوء الأوروبية , كما عبر اللاجئون العرب عن ذلك في مظاهرة ال ١٠٠٠ متظاهر في مدينة هامبورغ الألمانية في السنة الماضية,حيث رفعت لافتات كتب علها . ” الخلافة هي الحل” ولا نعرف بالتأكيد اذا كانت تلك اللافتات تعني اقامة الخلافة في اوروبا او اقامة خلافة في منطقة الشرق الأوسط , على كل حال عبرت تلك الشعارات عن مستوى وادراك عقلي لايمكن وصفه سوى بكونه غريب عجيب !انه الشكل الخاطئ في المكان الخطا , وكل بقعة من العالم تمثل المكان الخاطئ بالنسبة لنظام الخلافة , التي طالب المتظاهرون بها .
يقوم مفهوم الدولة على البناء الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية , كأساس للتحولات البنيوية على يد حكومات متعاقبة تحرص على الأمن ان كان اجتماعيا او سياسيا أو اقتصاديا , مما يتوافق ليس فقط مع اتفاقية فيستفاليا , انما ايضا مع الشروط التي تحدث عنها بعض المفكرين المحليين مثل مالك بن نبي وبعض المفكرين العاليين مثل هيجل , الذي اهتم بفكرة المجالس التمثيلية مثل البرلمانات, كما اراد مرسوم صدر عام ١٨١٥ , والذي تأثر بشدة بفكر هيجل وبتأثير من منتقديه مثل ماركس وانجلز , بكلمة مختصرة يمكن القول ان اوروبا فكرت بالديموقراطية وطرق حكم البلدان مئات السنين قبل قيام الدول في منطقة الشرق الأوسط , في ذلك الزمن كانت الكيانات التي تحولت اسميا الى دول لاتزال جزءا من احط دولة عرفها التاريخ هي الأمبراطورية العثمانية .
اراد الف متظاهر في مدينة هامبورغ تحطيم كل ماذكر من تقدم في بناء الدولة الأوروبية خلال مئات السنين الماضية بتظاهرة في الدولة التي استضافتهم, لقد ارادوا على مايبدوا تغيير نظام الحكم في هذه الدولة وتحويل هذا النظام الى شكل خلافة , مما قاد الى اعتبار كل من شارك في هذه المظاهرة ” ارهابيين اعداء الدولة اي اعداء دستور الدولة ” وبالتالي سمح هذا الاعتبار للقضاء وللمدعي العام بملاحقتهم , وملاحقتهم سوف تقود الى تطبيق عقوبات عليهم منها ترحيلهم , ومنع تجنيسهم , حتى الى حذف التجنيس الذي حصل عليه بعضهم , هل يدخل ماقاموا به في رأس انسان ذو عقل .
هؤلاء أتوا كلاجئين من دول فاشلة تصرف الأموال على التسلح, في الوقت الذي يعرف الجوع العام , تلك الدول صرفت عام ٢٠١٧ مبلغ ١٥١ مليار دولار من اجل شراء المزيد من الأسلحة , في حين ان ميزانية بعض الدول السنوية لم تتجاوز حدود ال ٦ مليارات دولار, هؤلاء يفكرون بالخلافة ويتظاهرون من أجل الخلافة عام ٢٠٢٤ بالرغم من وجودهم في دولة أخرى, اذا تصرف اعضاء ما يسمى جماعة muslim interaktiv المصنفة كجماعة ارهابية والبالغ عددهم حوالي ١٧٥٠ شخص منهم حوالي ١٤٠٠ شخص مصنفون كارهابيين , فكيف ستكون مسلكيتهم لو حكموا في الدول التي أتوا منها , هل يمكن ان يكون الانسان غبيا ومتطرفا أكثر من غباء وتطرف هؤلاء , وهل ترحيلهم الى البلدان التي أتوا منها خاطئ او لا انساني ؟
