جدلية ثنائية استدعاء-استعداء الاستعمار !
ميرا البيطار , عثمان لي :
دعونا نفترض جدلا غياب المؤامرات وغياب حقد وكراهية البعض للعرب وكراهية العرب للعرب , ودعونا نفترض بأن نوايا الغير جيدة وايجابية , فهل يمكن بالرغم من ذلك توقع نهضة عربية بناء على المعطيات الداخلية في العالم العربي ؟ , واذا كان الاستعمار هو المرض الخبيث الآتي من الخارج , فماذا عن ماتسمى قابلية الاستعمار واستدعائه ؟ , وماذا عن كيفية تشكل الحالة الاستعمارية ؟؟ وهل توغل الاستعمار في حياة الشعوب كان نتيجة لرغبة استعمارية حصرا ؟ أو أن الاستعمار يعود بشكل رئيسي أو جزئي الى القابلية للاستعمار ؟؟
واذا كان مفهموم القابلية للاستعمار ليس بذلك الوضوح في الماضي , ففي الماضي القريب تم مبدئيا استنكار الاحتلال الأمريكي للعراق , بالرغم من تمنيه من قبل فئات عديدة من الشعب العراقي , حيث عاد العديد من زعمائهم الى العراق على ظهر الدبابات الأمريكية , ثم تطورت الحالة بالشكل الذي تمكن من الحفاظ على حالة الاستنكار , ذهب الأمريكان وبعد ذلك استيقظت داعش , والمفاجأة كانت في توسل العراق لعودة العسكر الأمريكي , وهكذا انقلب استنكار الاستعمار الى استحسانه والاعلان عن الحاجة له , وهل يمكن ترجمة “استحسان ” الاستعمار الا بمفهوم القابلية للاستعمار الذي ابتكره الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي , ولنسأل بخصوص سوريا وشغف البعض بوجود مستعمر ينظم الحياة السورية المتهالكة , هل هذا الشغف ليس ترجمة لقابلية سوريا للاستعمار وضرورة الاستعمار لسوريا !, لقد تحول الأمر من الفرحة بجلاء الفرنسيين الى الرغبة ببقاء الفرنسيين , والسؤال الأكثر احراجا هو التالي , لو سألنا في الأمم المتحدة عن الدولة التي يمكنها أن تتبرع بممارسة الوصاية على سوريا , أي استعمار سوريا ! , فكم سيكون عدد الدول التي ستتبرع طوعا في القيام بهذه المهمة الاستعمارية ؟؟؟ .
نكاد نجزم بأنه سوف لن تكون في العالم دولة واحدة تقبل هذا العرض الاستعماري , وسيتم رفض ذلك حتى من قبل تركيا المفتتنة بعودة الأمبراطورية العثمانية , وبالرغم من شغف العديد من السوريين المتعثمنين بعودة الرمزية العثمانية الخلافية على يد تركيا ,التي ألغت الخلافة طوعا على يد العلماني الذكي كمال أتاتورك.
تتواجد سوريا الآن في حالة استدعاء الاستعمار شعبيا ايضا , نفس الظاهرة, التي نراها ونلمسها في دول بلاد الشام نراها في ليبيا واليمن وحتى في مصر أو السودان أو دول الخليج وغيرهم , لايريد البعض المجاهرة بظاهرة ” استدعاء ” الاستعمار , بل المجاهرة بعكسها, اي “استعداء” الاستعمار ,كما يحدث في سوريا وفي العراق , وايهما أكثر منطقية وفائدة بالنسبة لأوضاع بعض الدول العربية ؟ استدعاء الاستعمار أو استعدائه !!
هناك شروط لكل حالة من الحالتين , اذ لايمكن استعداء الاستعمار في اطار التخلف الفكري والمنهجي والاداري الذي يعشعش في كل زاوية من زوايا رؤوس النظم العربية ,الممثلة لاستعمار داخلي بمنتى السوء , والتي لم تدرك خطورة العجز والتهرب من الاستحقاقات الضرورية للانسان , لم تدرك هذه النظم مخاطر الانزلاق في منهجية تجهيل الناس وتطوريهم باتجاه الاتكالية والهمجية , كل ذلك قاد الى الضعف, الذي يكرس القابلية للاستعمارالخارجي , وفي مرحلة حرجة يتم استدعاء هذا الاستعمار عمليا جهارا نهارا , يقال بأن الجيش الروسي أتى الى سوريا بعد طلب سوري رسمي وكذلك الحال بالنسبة للايرانيين ولحزب الله , سوريا وقعت في مطب قابلية الاستعمارالخارجي نتيجة لهيمنة استعمار داخلي اسوء من اي استعمار خارجي , وبالتالي عدم المقدرة على استعداء الخارجي , اي ضرورة استدعائه .
لايمكن الفصل بين واقعة القابلية للاستعمار وبين التطور العام للشعوب, الذي يخضع الى الاعاقة من جهة والى التيسير من جهة أخرى , يخضع التوازن بين الاعاقة والتيسير الى أحكام ظروف الحياة ومقوماتها ,الى علمية المجتمع كضدية لغيبيته , الى مفهوم التوحيد المضاد للتعددية , الى هدف التطور الورائي المضاد لهدف التطور الأمامي , الى الانتماء للعشائرية المضاد للانتماء الى الدولة , الى الاتكالية المضادة للاستقلالية الذاتية , الى الخرافية المضادة للعلمية الخ, بشكل عام كل مايقود الى التأخر يقود الى القابلية للاستعمار وبالتالي الى صنع حالة الاستعمار .
لايقود الاستمرار على هذه الحالة ومنهجيتها الا الى تفاقمها سوءا ,لايسقط الفرج من السماء وانما يصنع على الأرض , نظريا يجب يجب الاعتراف بالحاجة الى فكر جديد وثقافة جديدة ونظرة جديدة الى الحياة, الى الغاء الكثير من معيقات التحضر والى اكتشاف وابتكار وسائل تحضر فعالة وجديدة , ولكن كيف سيتم ذلك ومن أين لنا بالعقلانية والفكر المبدع والاعتماد على الذات والتنكر للقدرية والاتكالية ونحن لانزال نمارس استنماء المؤامرة والدعاء !.
Post Views: 536