ممدوح بيطار , ما بيطار :
تتم مواجهة التخلف بعدة طرق , منها تقويض السياسات التي كرست هذا التخلف في هذا العصر , ومن أهمها السياسات الاجتماعية وأنظمة الحكم والسياسات الاستعبادية وغير ذلك , ثم مواجهة التراث الديني الثقافي السياسي , الذي يشكل مصدرا رئيسيا أو منبعا رئيسيا للبؤس الحالي ,على مواجهة التراث هناك اعتراضات , اذ أن البعض يعتبر نقد التخلف في التراث اهانة للهوية العربية الدينية , يبقى السؤال كيف ستتقدم الشعوب عندما تعتمد كليا على تراث كان أصلا متخلف في سياقه التاريخي ثم ازداد تخلفا بالتقادم .
يعتمد النقد الذي نمارسه يوميا على تأكيد وجود مشكلة , ثم التأكيد على ضرورة حل هذه المشكلة , ثم الاشارة الى بعض الحلول المستطاعة الممكنة , فتشخيص المشكلة شيئ وحلها شيئا آخر , والحل يتطلب في معظم الحالات خبرة وتخصصا في نوعية المشكلة , ليس بامكان اخصائي علم الاجتماع الذي يشعر بالفقر بسبب سياسة بنكية أن يقدم حلولا لمشاكل البنوك او للمشاكل الصحية وغير ذلك , الشيئ الوحيد , الذي يجب ممارسته في كل الحالات هو النقد أولا وقبل كل شيئ آخر .
علاقة مشاكل المجتمعات الشرق أوسطية مع الدين علاقة صميمية , فالدين يملأ حياة الناس ويحتكر وسائل توجيههم وصناعة قيمهم الأخلاقية ثم آمالهم وأفقهم , يختلف الأمر هنا بشدة عن مجتمعات أخرى لايمكلك الدين بها ذلك الوجود كما هو الحال في المجتمعات الشرق أوسطية , يتطور أمر النقد في العديد من الحالات الى طلب “ثورة” , ومن خصائص الثورة هدم القديم كليا وبناء الجديد كليا , اعتراض البعض على مشروع ثنائية الهدم -البناء منطقي , فلهؤلاء منطق خاص بهم , وبهذا المنطق لايوافقون على تدمير الدين الذي يملأ حياتهم بالكامل , يعتبرون ذلك تدميرا لثقافة ولقيم وتكريسا لاحتقار الذات والشعور بالنقص , التي يعتبرونها حضارية ويسمون كل ذلك ازدراءا للدين وحقدا عليه , والاجابة القاصرة على تحدي ثنائية الهدم -البناء تكون في العديد من الحالات الانكفاء على النفس , ثم استخدام المزيد من الداء كدواء في معالجة الداء الذي يشعرون به , أي ممارسة المزيد من التدين والمزيد من العنف في الدفاع عن الأسس التي تقوم حياتهم عليها اي الأسس الدينية .
انه من حقهم اي يكون لهم بخصوص ثنائية الهدم -البناء موقفا , كذلك لغيرهم الحق بموقف ورأي, ولطالما يحتضن الوطن عدة اتجاهات دينية , لذلك فانه من المنطقي والمتوقع والواجب أن يتم تقبل هذه المواقف من وجهة نظر وطنية , هؤلاء هم اتباع الوطن وليسوا اتباع طائفة او توجه ديني معين , باختصار, يختلف المواطن عن المؤمن , ومن واجب الشيعي مواجهة السني عندما يحاول السني ملأ الوطن بالتفكير السني , انها قضية وطنية وليست قضية دينية بالدرجة الأولى ,حتى أنه من واجب المستشرقين ان ينقدوا في عالم تهيمن العولمة عليه , بمعنى في عالم تحول الى قرية صغيرة يرتبط مصير كل فرد بها بمصير الآخر .
ليس من الخطأ ان يتم التركيز على الدين في هذا المنطقة الموبوءة بالدين المتأخر , الذي يريد الاشراف على كل شيئ في الحياة من اللباس الى الأكل والمشرب الى دين رئيس الدولة الى مصدر القوانين , الى مجالات الأحوال الشخصية , ثم محاولة تطبيق قوانين موازية , اي وجود الشريعة الى جانب القانون الوضعي , اي خلق دولة بقانونين وتشريعين وسلطتين ومفهومين , مثل مفهوم الوطنية الى جانب مفهوم الولاء والبراء النافي لمفهوم الوطنية , ثم مفهوم الشرف العسكري الخاص بالجيش ,الى جانب مفهوم الجهاد الخاص بالميليشيات الدينية .
لانظلم الدين ان قلنا انه مصدر ذلك التردي في كل جوانب الحياة , وكيف وبأي منطق يمكن تبرأة الدين من التسبب في الوضع المتردي الحالي , عندما يملأ هذا الدين حياة الناس, هنا لامعنى لمبدأ الحياد , او اخراج الدين من دائرة النقد , انه لحد الآن مؤثر كبير على الحياة الاجتماعية السياسية , ويريد المزيد من التأثير ,ويعتبر نفسة ليس دين فقط انما دولة ايضا , ثم يعتبر نفسه الحل لكل مشاكل البلاد , لذلك فان النقد الديني هو الممثل لمعظم النقد , لأن شروط الحياة البائسة متعلقة به وبالسياسات التي يروج لها ويفرضها على المجتعات , كيف يمكن استثناء الدين من النقد! , عنما يجعل الدين الشريعة مصدرا لكل القوانين , التي تسمى وضعية بينما هي شرعية دينية متخلفة , كونها متخلفة ليس مجرد ادعاء مغرض , فالتخلف واقع ملموس ومرئي ومحسوس , والتخلف لم يسقط من السماء , انما ولد من رحم القوانين , ومن أين أتت تلك القوانين ؟؟
لايقتصر النقد الديني على الناحية التاريخية , اي نقد مرحلة معينة ورجالات هذه المرحلة , فهؤلاء ماتوا وشبعوا موتا , النقد الديني موجه الى الحاضر والى من يؤثر على هذا الحاضر بالدرجة الأولى والأهم , وبغض النظر عن العلاقة التي يراها الدين بين الماضي والحاضر ,فالاخوان يرون ضرورة بعث هذا الماضي من جديد والبعث اراد ذلك ايضا وتظاهرة اللاجئين في مدينة هامبورغ الألمانية قبل اسبوعين طالبت بتطبيق منظومة الخلافة في عقر دار الألمان .
أنه ليس من الممكن ممارسة خداعنا بالقول ان ايصال الاخوان الى الحكم يقود الى فتور اندفاعهم الايديولوجي , المبني على فرضية الضدية بين السياسة والايديولجيا وبأن السياسة مقبرة الايديولوجيا …ولا يمكن خداعنا بتهمة عدم اهتمامنا بالاستبداد السياسي ,عندما نعتبر ان مصدر الاستبداد السياسي هو ديني أصلا , ولا يمكن خداعنا بتهمة التحريض على الارتماء بأحضان الغرب , لأننا اصلا ضد الارتماء في أي حضن كان …قائمة الخدع طويلة وقد اكتفينا بذكر بعضها
Post Views: 495