ممدوح بيطار :
السؤال !, اين نجد تفسيرا لحاضر شعوب هذه المنطقة الكئيبة البائسة , الجواب نجد التفسير في الماضي البعيد , طبعا في عقليات انسان الماضي , اي ما يسمى الأجداد , الذين لم يموتوا , ولا تزال انتصاراتهنم المزورة ترسم اشكال انتصارات الحاضر ,لقد انتصر عند الاجدادا النقل على العقل اي ابن تيمية على ابن رشد , ولا يزال ابن تيمية يمسك برقابنا ويخنقنا , ولا تزال ما تسمى مقدساساتهم ترتشح في تلافيف ادمغتنا , ومن ينتجنا الآن ويصنع عقولنا بهذا الشكل المقرف ليس سوى الماضي , الذي لايزال شابا في الحاضر , كلي القدرة لايأتيه التغير والتطور لا من امامه او من خلفه , ظل شابا بينما تحولنا نحن الى دراويش وكهول في ارزل العمر , كيف يصبح الحاضر ممثلا للشيخوخة وكيف يصبح الماضي ممثلا للشباب , مع العلم ان الماضي كان في سياقه ميتا , يبدوا وكأنه قام من بين الأموات وتمكن من الاستيلاء على الحاضر .
يمثل تفسير الحاضر بالماضي نظرة ,هناك نظرة أخرى تفسر الحاضر بالحاضر, الذي تمت بعض مكوناته ظاهريا الى زمن آخر , عند النظرالى حاضر هذه المجتمعات نجدها منكوبة بحكومات وسلطات من أسوء اشكال الاستعمار وأشدها همجية وبطشا , انه الاستعمار الداخلي , الذي نجح نجاحا باهرا في تدمير المجتمعات وتخريبها واعادة انتاجها خرابا اسوء من خراب الماضي .
المجتمعات منهوبة وفاشلة اقتصاديا وسياسيا وحتى عسكريا , لايتقدم بها سوى البؤس والفقر , مسحوقة بأنظمة متوحشة أشبه بعصابات قطاع الطرق , مجتمعات امية لاتقرأ , أصلا لاوجود لما يستحق القراءة , مجتمعات تعتمد على ثقافة شفهية آمرة ناهية مرغبة مرهبة , مجتمعات تلهث تحت سطوة الفساد وتخريب الضمائر , بحيث يمكن القول أن الانسان العربي يقتل فورا بعد ولادته , وأول مقتلة له كانت تزويده بسموم الدين , الذي يقال عنه أنه “فطري” أي ولادي ,حتى عندما يبلغ هذا الانسان لايحق له اختيار انتمائه الديني , ويجب ان يكون له انتماء دينيا , اذ لاوجود لانسان لادين له , وان اراد تغيير انتمائه الديني عند البلوغ أوبعد البلوغ يطبق عليه حد الردة , اي يقتل تطبيقا لمضمون الآيات المقدسة, القتل مورس بشكل حروب الردة قبل اربع عشر قرنا , ولا يزال يمارس لحد الآن بنفس الشكل , خاصة بالشكل الفردي كما حدث مع الشاب علاء الدين الذي حكم عليه بالاعدام بسبب ردته في ليبيا عام ٢٠٢٣ , وأمثال علاء الدين كثر جدا . .
يهدد ويخنق انسان الحاضر على يد اجداد الماضي , او تهدر كرامة هذا الانسان وتلغى قيمته وارادته وخياراته الشخصية وتعتقل آماله , وما عليه في هذه الحالة سوى اللجوء الى عالم مواز ومناقض لعالمه الحالي ,اذ أنه لايستطيع اقامة هذا العالم على الأرض تحت ساطور الردة والتكفير, والدين الذي ارتشح في كيانه وملأ أجوافه وبالتالي تملكه واستعمرة كأي غنيمة حرب أخرى , لذا يقام له عالما موازيا ومناقضا لعالمه الأرضي الواقعي في مكان آخر هو السماء الافتراضية , وفي السماء الافتراضية تعاد الكرة مرة أخرى بخصوص الامتلاء بالدين وبخصوص الاستعمار , الذي انتحل اسم الاستعمار السماوي , الذي يخضع الى ارادة رجال دين الأرض ايضا , الحالة الاستعمارية في السماء ليست كالحالة الاستعمارية على الأرض , وقد تكون معاكسة لها , مثلا لاخمر على الأرض بينما الخمر في السماء انهارا ,لانساء أكثر من أربع نساء على الأرض , بينما في السماء مئات أو الوف الحوريات لكل ذكر , سجون وعذابات الأرض تحولت الى سجون وغذابات جهنم , ففي جهنم يشوى الانسان ويغير جلده يوميا تمهيدا لشي جديد , بعكس الأرض حيث تم شي الحلاج مرة واحدة فقط , اي ان السماء تشكل استمرارا للارض بوسائل أخرى كالحرب التي تمثل استمرارا للسياسة بوسائل أخرى.
يبقى المنتمي قسرا للدين المسمى فطري مستعبدا من الدين ورجاله في السماء ايضا ,ولكن بشكل مناقض او أكثر تطرفا من الاستعباد الأرضي , اذن يمكن القول ان سطوة الدين تقوم على تعدد الخيارات المقنعة التي يقدمها للانسان الجاهل , مقارنة مع خيار العلمانية او خيار اليسار أو غيرهم من الفئات على الأرض , فالعلمانية لاتملك جنة او جهنم في السماء , ولا تتمكن من ترغيب او ترهيب انسان الأرض بالجنة أو جهنم , اضافة الى موضوع الجنة وجهنم الترغيبي الترهيبي كسلاح في يد الدين , اعتمد سدنة الهيكل على تحالفات مع اشباههم من الطبقة المستغلة ومن طبقة حملة السلاح من العسكر على ألأرض , وبذلك تم التعويض عن الخسارة او الهزيمة على الأرض بالانتصار في السماء, أي استعادة خسارة الأرض بمكاسب السماء, وما ساعد الجبهة الدينية على ألأرض كان موضوع المرأة وتعطيلها وتذنيبها كمثال عن العقوبة المنتظرة لمن يتمرد على السماء واله السماء الافتراضي , لذا وضعت المرأة في الصف الثاني أو الثالث بما يخص الحقوق والامكانيات وفي الصف الأول بما يخص النقص والعورات, انقلبت وتشوهت المفاهيم واحتقرت المرأة التي ارغمت على بيع جسدها , ولم يحتقر الذكر لأنه اشترى الجسد بعد أن أرغم المرأة على بيعه عن طريق الافقاروالقوامة وغير ذلك .
اذن هناك فروق كبيرة بين العلمانية والدينية على الأرض, فالعلمانية لاتملك افتراضية السماء ولا تملك الدجل الخاص بتلك الافتراضية , وهذا هو احد اسباب صعوبات العلمانية في السيطرة على الدينية في المجتمعات الممتلئة بالدين والتدين , لم يحدث أن وعدت العلمانية بالجنة والحوريات وانهار الخمر والغلمان , ولم يحدث ان هددت العلمانية بنار جهنم وشيي الانسان يوميا بجلد آخر امعانا في تعذيبه .للبحث تتمة
