ممدوح بيطار , جورج بنا :
الثقافة النقدية هي من أهم الثقافات, النقد يخص كل شيئ مقدس أو مدنس , التقديس مجهض للنقد , لذلك يجب الغاء التقديس ,
هناك تيارات عقائدية معادية للفكر والابداع , ولكل ما هو متطور وجديد , وهناك تيارات عروبية تحاول بفشل متزايد بالشراكة مع التيار الاخونجي القضاء على الثقافة النقدية , وعلى المثقف النقدي , الذي بتم تشويهه بتهم منها تهمة ازدراء الدين , ثم تهمة الكفر والالحاد , وبالتالي استتباب أمر التخوين كرديف للتكفير .
تكمن ضرورة العقلانية وضرورة الثقافة النقدية في تفسير الخراب الذي أصاب هذه الشعوب , وفي السعي لاعادة البناء وازالة الخراب بوسائل عقلانية , اثبتت جدارتها لدى العديد من الشعوب الأخرى , التي أخذت بها , المطلوب هو رفض اللاعقلانية , التي تحكم شعوب المنطقة في كافة المجالات , ان كانت سياسية أو اقتصادية , أو تنموية , أو اجتماعية , أو عسكرية , أو ثقافية الخ , تعميم اللاعقلانية قاد الى ذلك التأخر الذي نلمسه اليوم , والى كل ما تعاني الشعوب منه , مثل الاستبداد ونشر الجهل والعنف والطائفية الدينية , التي يراد منها الحلول محل الحزبية السياسية ,العقلانية هي ضرورة من ضرورات الحداثة , التي تقوم على العديد من الأسس , منها العلمانية والعلمية ودولة القانون وحقوق وواجبات المواطنة بشكل عام , العقلانية ركيزة رئيسية من ركائز العلمانية , التي لايجوز اختصارها بثنائية الالحاد والايمان , ولا يجوز اعتبارها منهجية نهائية او انها نهاية التاريخ , غاية العلمانية هي خلق الفرد المستقل بفكره , ثم بناء المجتمع الديموقراطي , الذي يفصل بين الدين والدولة , ويمارس حرية التعبير وحرية الضمير , التي تشمل حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد , ثم الأخذ بما جاءت به من أحكام منظومات حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي .
لاتنطلق سيرورة الحداثة من الجماعة والجموع التي يفترض على انها متجانسة , لاتجانس حقيقي واقعي , انما تجانس شكلي افتراضي , تجانس يترجم القهر والقمع والاستبداد , الجموع لاتعرف سوى الاختلاف المضاد للتجانس , الذي لاوجود له واقعيا , مايقال عنه تجانس , ليس سوى اعلان مزور عن حالة لاوجود لها في الحياة العملية , التي لاتعرف أكثر من الاختلاف , عدم المقدرة على العيش في الاختلاف بدون خلاف , هو الحافز الرئيسي لمحاولة الغاء الاختلاف شكليا , لايمكن الغاء الاختلاف عمليا لأنه من طبيعة البشر , بينما الخلاف والاقتتال ليس من طبيعة تستحق الحفاظ عليها .
انطلاقا من كون الاختلاف طبيعة يجب الحفاظ عليها , لذلك يجب اعتماد التعددية كواقع وطبيعة يجب احترامها , لأنها مصدر الابداع ومصدر التقدم , لاتجوز محاولة تجريم الاختلاف , ثم ممارسة الخلاف , لابد هنا من وسيلة ايجابية للتعامل مع الاختلاف , الوسيلة هي المواطنة الواحدة والمساواة , بعيدا عن تجزأة حقوق الانسان وانهاكها بتقييمات مرضية مثل اقلية أو اكثرية دينية ثم روابط الدم والعشيرة والعرق والحسب والنسب والروابط الأسرية القبلية والطائفية .
لاعلاقة للرابطة الوطنية , بالتراث المحلي العربي , الذي لايعرف الوطن ولا يعترف به , تستند قيمة الوطنية والوطن على معطيات الحضارة الانسانية , التي عرفت المواطنة والوطن , والتي اعطت المجتمعات المتقدمة السلام والاكتفاء الذاتي والعدالة والحرية والديموقراطية , لايعرف التراث العربي مايسمى عقلانية , اذ أنه لاوجود للعقل عند أمم الايمان المطلق والنقل الأعمى , ولا وجود في أمة التفاخر والتبجح للاعتراف بالخطأ كأول خطوة لتصحيحه , على هذه الشعوب أن تتعلم من غيرها ومن تجارب الغير ايضا , ولكن ليس بالتقليد دون فهم وليس في مدارس التحفيظ.
النقد ثقافة اجتماعية تصنف في مصنف الثقافة المضادة , وتخضع فلسفيا الى مبدأ وحدة وصراع الأضداد وليس صراع الأعداء ,تقود الضدية في الثقافة الى وحدة في الثقافة , كما هو الحال مع الاختلاف والوحدة في الاختلاف , لا يتم التكامل بين المتشابهات انما بين الضديات , فالتماثل خلاق للجمود والركود وبالتالي القضاء على التطور الممثل لعصب الحياة , وبدونه الموت الثقافي الفكري وفقدان الأهمية والفاعلية العالمية المجتمعية , من لايفكر لايقدم لنفسه سوى حياة القبر اي حياة الموت ,حتى لو تمكن من تخديم جهازه الهضمي , الانسان قناة فكر قبل ان يكون قناة هضم وقبل أن يكون عضوا في مايسمى مجتمع الشرج – الفرج !
