ممدوح بيطار :
نتيجة لذلك ونتيجة لعدم التوقف عند الانتصار أو الهزيمة الحربية , تحولت أوربا بمن انهزم ومن انتصر عسكريا الى معيار للتقدم والرقي والنمو , أي الى النجاح ,لافرق في نجاح أطراف الحرب العالمية الثانبة بين من انتصر وبين من انهزم , لافرق بين اليابان وأمريكا وبين المانيا وفرنسا , لابل يمكن القول بأن وضع الدول التي انهزمت في هذه الحرب آنيا أفضل من الدول التي انتصرت , أي أنه لاعلاقة مباشرة بين الانتصار أو الهزيمة في الحرب مع التطور الى النجاح .
بالمقابل , لاتزال ثقافة الحرب والتحارب والانتصار مهيمنه على عقول العرب , ولا يزال اعتبار النصر الحربي وسيلة وبحد ذاته هدفا نهائيا , لايزال هناك من يعتقد من الشعوب العربية بأن الانتصار العسكري هو مفتاح النجاة ووسيلة التقدم والمجد ,هنا يجب السؤال عن أسباب ذلك الشغف العربي بممارسة الحروب والتحارب , الذي لم يتوقف عمليا في القرون الاربع عشر الأخيرة !
للشغف العربي بممارسة الحروب عدة أسباب , منها اقطاعية الريع , التي انتجها اقتصاد المغازي العسكري الدعوي , الذي وصل سقفه التاريخي الاجتماعي بداية القرن الخامس الهجري , وتمثل بالاجتياح البدوي للمشرق والمغرب , وبواسطته ترسخت وسادت قيم القوة والتغلب والقهر البدوي العصبي ثم السطو والمصادرة لأرض الغير وجباية الأموال بشكل استبدادي عنيف من خلال ولاة الخليفة, كلهم مارسو تسلطا فظيعا لتأمين موارد مالية للخلافة تجاوزت السياسة الجبائية المالية المفروضة ,كل ذلك جعل العامة من الشعوب في المناطق المفتوحة تعاني من القهر والظلم والفاقة والصعوبات في تأمين ضرورات الحياة , اكتفاء الخلافة والولاة بالجباية قاد الى انعدام الدافع للاهتمام بالقطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة , والى فقدان الأمن والأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لدى شعوب المستعمرات , التي هيمنت عليها القيم الأخلاقية للروح البدوية, أي قيم العنف والتوحش والتغلب والبأس والافتراس والذكورية ثم مفاهيم الحق البدوي المشرعن لغنائم الحرب والمؤسس للفساد , .
الحرب والغزو كان مهنة البدوي , التي اعتاش منها , فالغنائم كانت السب الأول للفتوحات , ولا يمكن لنشر الدعوة أن يلعب أي دور أساسي , لأن المحاربين لم يكونوا مؤمنين يقينا انما شكليا , فالفترة بين الفتوحات وولادة الدعوة كانت قصيرة بحيث يمكن القول , ان المؤمن كان من نطق بالشهادتين فقط , ولا شرط أن يعرف شيئا عن الدين, ولم يكن بامكانه في ذلك الوقت المبكر أن يعرف شيئا , ينطق بالشهادتين ويمارس الطاعة والانصياع يسرق ويقتل ويغتصب ويسبي ويبيع السبايا , هذا هو المطلوب منه على الأقل .
اندفع المؤمنون في فتوحاتهم واحتلالاتهم الى مناطق قليلة السكان كشمال أفريقيا , وتركوا مناطق مكتظة بالسكان , يبدو وكأن هؤلاء السكان الكثر لم يحتاجوا الى الهداية!, أو ان أمر الهداية كان ثانوي !, بالواقع كان ثانوي جدا , الغنائم كانت الأهم ,والغنائم كانت المشجع الرئيسي للبدوية للانخراط في الحروب , فحصة المقاتلين من الغنائم كانت مغرية جدا وتراوحت حول أربعة اخماس مجمل الغائم .
اذن الغنائم كانت السبب الرئيسي في نجاح الفتوحات على المدى القصير والمتوسط, وكانت السبب الرئيسي أيضا في فشل الفتوحات في انجاح العرب البدو في الحياة , هناك فرق كبير بين الانتصار في الحروب والنجاح في الحياة , فمهنة اكتساب الرزق عن طريق الحرب قاتلة للمحارب, خاصة عند توقف الحروب لسبب ما ,فمن أين ستأتي الرزقة في حالة السلم عند شعوب محاربة لم تتعلم ولم تمارس العمل ولم تعيش من عرق الجبين في العمل والانتاج , شعوب اعتاشت من السرقة والسطو والنهب وغنائم الحرب , ثم يسأل سائل من أين أتى الفساد ! .
