الدين الاجتماعي وهويته الاجتماعية…..
هناك حاجة لادراك مفهوم “الدين الاجتماعي” المعمول به خاصة في أوروبا, , كان للتفكير بهذا الموضوع علاقة كبيرة مع تعليق للسيد amal abou ayash , على موضوع نشر على هذه الصفحة , التعليق القصيرالمكثف كان بخصوص الطائفية بعبارة واحدة :
“الموضوع اكثر تعقيدا مما ذكرت ، الطائفية هي ايضا مرتبطة بالعلاقات العشائرية المترابطة في الشرق ،
الطائفة هي عشيرة اكثر مما هي مذهب..”
تؤكد عبارة الطائفة هي عشيرة قبل أن تكون مذهب , طبيعة الطائفة المؤلفة من تجمع أفراد من مذهب معين حول هدف سياسي متمثل بالعشيرة أو السلطة أو غير ذلك , وهذا ما سماه أدونيس “مشروع”, يتمايز بناء الطائفة في اطار دين معين عن انتماء الفرد لهذا الدين , الطائفية هي حالة ملازمة للطائفة ولكنها ليست ملازمة للتدين أو التعبد او حتى انتماء الفرد الى دين معين !
العشيرة وحدة اجتماعية تحاول الحفاظ على استقلالها بقدر ماتسمح الظروف , وهي بالتالي كيان له تراتبيه وسلطته , تجاوزا يمكن القول بأن العشيرة هي جنين الدولة , عصريا يجب أن تعرف العشائر بأنه لابد لها من أن تكون ضمن الدولة , لا أن تكون الدولة ضمنها , ولكن الأمور تطورت في هذا الشرق بشكل معيب , فمن أجل خلق نوعا من الانسجام بين منظومة العشيرة ومنظومة الدولة , تمت في هذا المشرق بدونة الدولة , وهذا يعني تحول البدوية العشائرية الى دستور للدولة ومصدر القيم بالنسبة للفرد أو المجتمع .
بالعكس من ذلك تمكنت العلمانية الغربية من تحويل الدين الى أمر اجتماعي أوفاعل اجتماعي , وذلك عن طريق الغاء الخاصة الشخصية للدين أولا , وثانيا عن طريق جعل المقدس دنيوي , فان كان هناك مقدس فهو الدنيوي !!! , تعود القدسية عموما الى مقدرتها على خدمة الانسان وليس الى حاجتها للتبخير , وبالتالي على مقدرتها في التكيف مع وضع الانسان المتغير المتطور أيضا , بالنتيجة أصبح ” التقديس ” للمتحول وليس للثابت .
اذا كان الدين قيما وأخلاقا , وبالتالي قيما متطورة ومجارية ومتكيفة مع الحياة اليومية , فسيفشل الدين في تقديم هذه القيم للانسان على ذاته الرافضة للتطور والمنصاعة للثابت , في هذه الحالة يتم الاعتماد الكلي على العقل المنتج للقانون الوضعي , القادر على التطور , وكيف يمكن للقانون الوضعي المصنوع من قبل الانسان وعقله أن لايكون ” مقدسا ” ؟؟؟ أو أن يكون متناقضا مع المقدس , أو مع ارادة الله الهادفة الى خدمة الانسان,خلق الانسان بعقل , ولا يعقل ان يعمل خالق العقل على قتله .
لايفكر رجل الدين الذي تحول في أوروبا مثلا الى عامل وفاعل اجتماعي , بمرجعية دينية مقدسة للدساتير والقوانين, وعلى شاكلته يفكر المواطن العادي , فالمرجعية المقدسة , هي للعقل والمصلحة والتقدم , بسبب ذلك تمكن الدين من النجاة من الاندثار الكامل , وتمكن من التحول الى شريك في الحياة الاجتماعية , وليس الى داعية لموت المخلوق الذي خلقه الله من اجل خالقه ,كل ذلك حول الدين الى “منظومة ” اجتماعية ضمن الدولة , وليس الى تحول الدولة الى منظومة ضمن الدين , للدين فضاء مستقر ومستقل ومتحرر من امكانية توظيفه سياسيا , تخضع القيم لأحكام التطور , ومن أهم التطورات التي مكنت الدين من التحول الى منظومة اجتماعية كان الاقرار بمفهوم ” الخطأ “,الدين يخطئ كما تخطئ أي منظومة بشرية أخرى .
أوصد الدين طرق التدجيل بالجنة والترهيب بجهنم عن طريق الغاء الجنة والغاء جهنم عن طريق أحكام العقل وذلك قبل الغاء البابا فرانسيسكوس لمفهوم الجنة والنار , فما هي ضرورات الطريق الى الجنة او النار عندما تكون الحياة الأخرى في القبر , وبه يعود الانسان الى التراب الذي خرج منه, الغاء الجنة وجهنم أرغم الانسان على التحول في اهتماماته دنيويا , وبالتالي مهد السبيل الى دنيوية الدين , والى تقبل الدين للتحول الى دين اجتماعي , أي الدين الاجتماعي وليس الدين الشخصي .
تأثر انقلاب الدين على طبيعته الشخصية وبالتالي تمكنه من التحول الى ظاهرة اجتماعية , بوضع الثقافة والمعرفة والفكر بشكل عام , وعلى تاثير كل ذلك على وضع الكهنوت , لاوجود للأمية الابجدية في أوروبا ,والانسان الاوروبي مقتدر على الفهم والقراءة والأستيعاب , لذلك قلت الحاجة الى الكهنوت , وتمكن الانسان من التنور معتمدا على جهده , وليس على مواعظ رجال الدين وتلقيناتهم , فكلما ارتفع مستوى التنوير تناقص الاعتماد على الكهنوت , الى أن يصل الى مايقارب الصفر , من صيغة الدين الاجتماعي أتت المعاوضة , ماخسره الكهنوت والدين في المجال الشخصي , ربحوه في المجال الاجتماعي , الهوية الجديدة للدين هي الهوية الاجتماعية!!!
Post Views: 665