ممدوح بيطار:
بغض النظر عن الموقف المبدئي الرافض للاستعمار ايا كان المستعمر , يجب الاعتراف بأن سوريا لم تتحول ظاهريا الى مستعمرة عثمانية طوعا وانما بحد السيف , ولم تتحول الى دولة انتداب الا بحد السيف أيضا , وبقوة انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ….المنتصر يفصل وما على المنهزم سوى أن يلبس مايفصله المنتصر له , على فكرة …لم تنهزم سوريا أمام الحلفاء , بل كانت سوريا مستعمرة عثمانية والسلطنة العثمانية انهزمت , لم تكن سوريا في حلف مع أي طرف من أطراف الحرب العالمية الأولى , بانهزام السلطنة امام الحلفاء , تحولت مستعمرات السلطنة تلقائيا الى مستعمرات للحلفاء او على الأقل وضعت مستعمرات السلطنة تحت ادارة الحلفاء , ماحدث بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في المنطقة كان نتيجة غير مباشرة للاستعمار العثماني ومن قبله الاستعمار القريشي البدوي .
رحلت فرنسا عام ١٩٤٦ولم تكن هناك فئة أو حزبا اراد بقائها , ذهب آل عثمان , بالرغم من وجود عددا كبيرا من المتعثمنين , الذين أرادوا للخلافة العثمانية البقاء , ولا يزالون لحد الآن عثمانيون بالرغم من موت الخلافة العثمانية , هؤلاء ساهموا بشكل كبير في تدمير ما سموه سوريا اللقيطة صنيعة الغرب والاستعمار , وهؤلاء لايرون في الوجود العثماني في البلاد احتلالا وانما استمرارا شرعيا للخلافة , فاستقلال سوريا ليس شرعي وحتى وجود سوريا كدولة لايمت حسب رأيهم للشرعية بصلة , من هذه الخلفية يمكن فهم عدائهم لسوريا وفهم محاولة تدميرها , التي نجحت ولو جزئيا .
صمد الانتماء الى الخلافة العثمانية قلبا وممارسة بالرغم من احتكار هذه الخلافة للتوحش الأسطوري , يبدو وكأنه لا أهمية لكل ذلك في تقييم الاستعمار العثماني , المهم أنها خلافة قريشية محمدية , وما عدا ذلك هامشي وثانوي , الدين أو بكلمة أخرى الخلافة هي الوطن وهؤلاء هم المواطنين , تكمن المشكلة معهم في اختلاف الأوطان , وطننا سوريا ووطنهم الخلافة , كونوا عثمانيون كما تريدون لكن لاتمارسوا الكذب والمخاتلة بالادعاء بأنكم سوريون , انكم امتدادا لأبشع مستعمر عرفه التاريخ , لا أنذل من الذي يعيش في بلاد كمواطن , ويساعد الغريب على احتلال هذا الوطن , لا أنسى نذالة الاخوان , الذين رحبوا باحتلال تركيا لعفرين ,ثم احتلال الشمال السوري من قبل جيش محمد والفاتح اردوغان, رحبوا به وهم فخورون بذلك !!!
لم يولد اغتراب البعض عن سوريا في أوائل القرن العشرين , فجذوره المتشعبة في الدين تمتد حتى الى ماقبل ١٥٠٠ سنة , والى ايام السلطان سليم , فقد تلقى السلطان سليم من رجال الدين ومن اعيان مدينة حلب عريضة يطالبونه بها بمحاربة المماليك واحتلال البلاد , وكان لهم ذلك في مرج دابق , لم تكن لمطالبة الحلبية اعيانا ورجال دين بالاستعمار العثماني خلفية مرضية متمثلة بنزعة القابلية للاستعمار (مالك بن نبي ) ,كان للشغف بالاستعمار العثماني اسبابا دينية تتعلق بمفهوم الولاء والبراء, والولاء والبراء كان من أول وأهم أسباب خلو فترة ال 400 سنة العثمانية من أي اعتراض أو تذمر او ثورة على وجود هذا الاستعمار, بالرغم من ظلمه الأسطوري, بالمقارنة عرفت فترة الانتداب الفرنسي العديد من الثورات بين عام ١٩٢٠ وعام ١٩٣٠ .
لم يهتز الانتماء للعثماني , بالرغم من بعض الملامح الحديثة التي أتت مع الانتداب الفرنسي , كاختفاء الفوضى وحلول القوانين الناظمة للحياة محلها , وبناء المدارس ونمو التعليم وشق الطرقات وغير ذلك , كل ذلك لم يؤثر على يقين الولاء والبراء , بكون الخلافة أو السلطنة العثمانية مصدر كل خير , حتى الجهل تحول بنظرهم الى خير مقدس , لأن الخلافة كانت مصدره , لم تتناقص صلابة الشغف بالانتماء العثماني , بالرغم من ممارسات السلطان سليم ضد بعض فئات الشعب السوري / جبل الجمااجم /,لم يكن موقف بعض السنة المشرف من تصفية العلويين وتهجير من بقي منهم الى جبال الساحل كافيا لتصدع علاقة رجال الدين مع الباب العالي, فللعلاقة مع الباب العالي أفضلية لاتنازعها أفضلية أخرى .
لايمكن اعتبار موقف ” الاستكانة” السنية تجاه الخلافة العثمانية في اوائل القرن العشرين ” كطفرة مفاجئة” ,انما كحالة متجذرة في النفوس ومنذ قرون , تجذر هذه الحالة هو من أهم أسباب استعصائها النسبي على العلاج , فبالرغم من كوارث الحكم العثماني , لايزال كثيرون من سكان سوريا مصابون بداء الاغتراب والشغف بالاستعمار العثماني , وشغفهم بالاستعمار او رغبتهم في التحول الى مستعمرة ليست سرا , انهم يشهرون ذلك وبفخر أيضا , انهم بذلك يبرهنون عن تحولهم طوعا الى طابور خامسا يعمل في الداخل لمصلحة الخارج , فالعهر ليس جنسي ققط ,انما سياسي-ديني بالدرجة الأولى !!!
