ممدوح بيطار , مها بيطار :
لا أجد فروقا جوهرية بين مذهب محمدي وآخر, او بين حقيقي وغير حقيقي , يبدو أن نموذج داعش وأشباهها كنموذج الولي الفقيه , هو الأقرب الى مايسمى الدين الحقيقي من بقية الاتجاهات الأخرى , والذي يتمثل بالدولة الدينية اي الخلافة , من يريد هذه الخلافة يقترب من الدين الحقيقي ,فالخلافة كانت كيانا يشبه الدولة ولكنه ليس دولة بالمعنى المعروف منذ اتفاقيات فيستفاليا , انه كيان استمد شرعيته من الشريعة , من يريد الخلافة هو داعشي سواء شتم داعش أو امتدحها .
أسس هذه الدولة معروفة وبينة , وداعش برهنت عن كل ذلك وشرحته وأوضحته , فاللحياة الدينية الخاصة بالدين الحنيف ركائز ثابتة مثل الغاء الآخر ,اما بتصفيته أو وضعه في مستوى دوني , ثم احتقار الحياة لصالح الآخرة ,الذي يتضمن تدمير الذات والتخصص في صناعة الموت , احتقار الحياة الدنيا يستقيم مع تخريب معالم هذه الحياة من عمران وحضارة مادية , انه كغيره من الاتجاهات التوحيدية , الذي يتمثل بكل شيئ الا بالوحدة , فالتوحيديون لايعرفون أكثر من الصراعات حول الرمزيات والنصوص , انهم لايتقبلون بعضهم البعض , ولا يتقبلون غيرهم , هذا هو جوهر وحدتهم أو توحدهم ,متحدون في السعي لتحقيق الدونية والتأخر , ومتفرقون في السعي لتحقيق ادنى مستويات التقدم والحرية .
بشكل عام يمكن اعتبار المؤمنين صنفان , داعية يكفر ويهدد , وجهادي يحاكم ويقتل تطبيقا لارشادات الداعية , وقد يجتمع الصنفان في شخص واحد, لذلك فانه من الصعب فصل الداعية عن الجهادي , اذ سرعان مايتحول الشكل الأول الى الثاني وبالعكس ,هناك صنف افتراضي ثالث هو الوسطية , الا أنه من الصعب جدا تعريف هذه الوسطية ,لعدم وجود نمطا وسطيا ثابتا ,نموذجا يمارس المساواة والسلمية والديموقراطية ,ثم أنه لا وجود لمؤمن ملتزم بالأصول الدينية وهو معتدل وموضوعي في فهمه للحقيقة النسبية أو المطلقة, مثلا لا اعتدال في ضرورة أمر نشر الدين حتى بالقوة , ما يسمى اعتدال عليل ومن الصعب تعريفه والتعرف عليه عند أرباب الوسطية كالقرضاوي , فما هو المعتدل عند القرضاوي ؟ الذي يتذبذب بين داعية وبين جهادي, ظاهرة الاعتدل افتراضية ,اسم بدون مضمون ثابت , اسم مستعار للداعية وللجهادي في آن واحد وحسب الظروف التي تمليها ضرورة التنافق.
تعود عدم امكانية انتاج وسطية أو اعتدال الى عوامل عدة منها ايمان المؤمن بأن عقيدته هي العظمى, لأن الدين نطق بالحقيقة الأولى والأخيرة, ولكنه لم ينجز سوى العكس من ذلك, ثم ان الشريعة تقدم الحلول لكل المعضلات بمعنى الدين الحنيف هو الحل! ,والمصحف يحتضن العلم في كل شيئ , انه الاعجاز, الذي يدعي كون نتائج كل العلم متواجدة في سطوره او ما بينها ,الدين واعجازه سبقوا نيوتن في اختراع الكهرباء وسبقوا نوبل في اختراع الديناميت وسبقوا مارتن كوبر في اختراع التلفون المحمول الخ ! ,لاوجود للوسطيةعند اعتقاد المؤمن انه ينتمي الى خير أمة, مما يزوده بقدر مميت من الغرور والفوقية ,ثم الايمان بكون الأحكام والقواعد صالحة لكل زمان ومكان ,وبذلك التبس على المؤمنين الدواء مع الداء , فما كان في سياق تاريخي دواء تحول الى داء في سياق تاريخي آخر مغاير .
لقد فشل القرضاوي وغيره في انتاج وسطية قابلة للتعريف والفهم والتطبيق , وبالتالي انتفت الفائدة من هذه الوسطية التي تمنع تهنئة الجار من ملة أخرى بأعياده , فهل هناك من حل قد يمكن تسميته اعتدال وبالتالي وسطية ممكنة التطبيق وقادرة على الافادة والاستفادة منها؟؟؟؟يتطلب مفهوم الاعتدال نوعا من التعديل , ليس في النصوص وانما في الممارسات , لم تغير أوروبا الانجيل ,انما أسست لما يسمى المسيحية الاسمية , وعلى هذا النسق يمكن التحدث عن دين اسمي (اسلام لايت light),دين يمارسه عمدة لندن وعمدة أمستردام والعديد من المؤمنين في أوروبا وفي المشرق وفي كل انحاء العالم , دين يحول العلاقة بينه وبين الشخص الى علاقة اسمية يقتصر مضمونها على الحد الأدنى من الدين والحد الأقصى من القناعات الشخصية والموضوعبة , الانتماء للدين لايعني هنا أكثر ممارسات شكلية لبعض جوانب الحياة كمراسيم الزواج مثلا , فالدين الذي لايتقبل ممارسة شكلية في هذا العصر سيتحول الى اشكالية العصر, لايمكن للدين أن يتحول الى شكلية الا بنظام علماني يمكن عن طريقه حل اشكالية الدين والمجتمع , وبالتالي تمكن الدين من الاستمرار في الوجود كدين اسمي في الحياة الخاصة الفردية , وحقيقي في حياة المعابد !!
