ممدوح بيطار :
الافتخار عموما هو شعور انساني معقد يسعى علم النفس لتفكيكه والتعرف على محركاته , وقد تبين وجود شكلان له , شكل ايجابي يتعلق بالمنجزات وتضخيم ادراكها , ولهذا الشكل علاقة جزئية مع العقلانية , هذا الشكل يقترب من الواقعية , الا أنه ضار بها ومعيق لها , وشكل سلبي ذو علاقة رئيسية مع الغرور وتضخم الأنا المرضي ومع النرجسية وخداع النفس, هدف الشكل الثاني اثارة الدهشة واستجداء التصفيق لما يدهش من تفوق وعظمة خيالية, الممارس لسلوك التفاخر والتباهي وادعاء التحول الى عظيم عن طريق اسقاط العظيم والعظمة على نفسه ..أنا خالد ابن الوليد وأنا فارس الخوري …و..و , مسلكية كاشفة في معظم الحالات عن نزعة غرور ساعية لفرض نفسها وصحة مواقفها على الغير ,في هذه الحالة يتمنى المتفاخر انصياع الآخر لعظمة الحكمة والبصيرة التي يتمتع بها دون أي صلة مع الواقع , انها معاوضة ساذجة لنقص أو انعدام الشخصية, تمركز التفاخر خارج الشخص كالقول اني عربي وأفخر , لاينقذ الشخص من ظاهرة نقص أو انعدام الشخصية , المتفاخر يسقط ذاته في هذه الحالة على موضوع الفخر أو يسقط موضوع الفخر على ذاته , بحيث يمتزج الذات مع الموضوع , فخر فلان بالعروبة يستوجب عادة كونه عروبي , أي لافرق بين القول أنا عروبي وأفخر , وبين القول ان العروبة فخورة بي .
التفاخر ممارسة ذاتية القصد منها الوصول الى شيئ من السعادة والتفوق الظرفي شخصيا واجتماعيا , فالمتفاخر يمارس تفاخره أمام الغير, الا أنه يحاكي نفسه ويتكلم مع نفسه ولنفسه, انها محاكاة ذاتية في حضور الآخر, شدة الفخر والتفاخر لا تتناسب مع قوة الحجة الضرورية للحوار, فالفخر اعتبار ذاتي بمجمله متجه الى الداخل , حتى ولو خص التفاخر انتماء الشحص السياسي أو الديني أو العنصري مثل القول نحن خير أمة !, بينما الحجة منتج عقلاني متجه الى الخارج , أي ألى الغير الآخر , فعادة التفاخر ليست حجة موضوعية , وانما نتيجة لمعانات الفرد الفكرية الذاتية , لذلك يمكن ويجب اعتبار التفاخر العلني وعلى مرأى ومسمع من الآخر عبارة عن عادة وجاهية سيئة , انها نوعا من الاستنماء , فمالي ومال من يريد الاستنماء! ولماذا يستنمي في حضوري؟, الفرق بين العادة السرية الجنسية وبين عادة التفاخر هو كون التفاخر مشهدي وجهاري , كالانسان الذي يمارس عادته السرية أمام الآخرين ويحرص على مشاهدة الآخرين لنشوته , فالتفاخر من هذه الناحية عادة اجتماعية وجاهية وليست سرية كالعادة السرية الجنسية, لذلك سميت العادة السرية وليس العادة المشهدية.
من يمارس الفخر بافراط هو ذلك المتحدث لنفسه عن نفسه الشامخة المنتحلة لصيغة تتوضع خارج الذات , الآخر لايهتم بحديث الانسان مع نفسه وعن نفسه الممثلة لقضية ما , وانما بالحديث عن موضوع أي بالحديث الموضوعي , فمعظم التفاخر الشرقي نرجسي وهدفه الغير مدرك شعوريا هو الاستعلاء وبناء الجدران التي تفرق بين انسان الاستعلاء ودونية الآخر النسبية , فالاستعلاء على الآخر ليس الا صورة عن تضخم “الأنا” وانتفاخها وتورمها الى حد السرطنة ,الأساس في تضخم الأنا ليس الاستعلاء فقط , وانما تدجين ظاهرة كره الآخر عن طريق خداع النفس وعن طريق عدم فهم الغير والذات ,من هم نحن ومن هو الآخر؟, الافتخار وتضخم الأنا هو من يفترض دونية الآخر ودونية قضيته , التي ليست دونية عادة .
لا يقتصر التفاخر على اعلاء الذات وقضيتها بطرق مشبوهة , وانما يشمل الحط من مقام الآخر وقضيته بطرق مشبوهة أيضا , فشأن الآخر مهما ارتفع يتقزم أمام جبروت التفاخرة المنفلتة من أي صلة موضوعية , من خلال التفاخر واعلاء الذات والحط من مقام الآخر تصاب علاقات الناس بالخلل , والخلل لاينتج الا خللا أعظم.
