سمير صادق, ممدوح بيطار :
ظاهرة الفساد ليست حصرا مجرد انتاج فردي , انما بالدرجة الأولى ظاهرة اجتماعية , فللفساد علاقة بالقيم الاجتماعية وتعريفها ومضامينها , لا يمكن بناء على ذلك الا أن تكون المجتمعات العربية فاسدة , والشخص الذي نتهمه بأن راعى الفساد كان حقيقة من منتجات الفساد, انه نتيجة وليس سببا .
انتشار الفساد في هذه المنطقة مواز لانتشار القيم البدوية ,لم يبق جزءا من هذه المجتمعات وتلك الشعوب بعيدا عن البدوية , سادت البدوية الرعوية وارتشحت بكامل خصائصها ومعالمها في حضر بلاد الشام وحضر مناطق أخرى , و بعكس ماينتظرمن تطور البداوة الى حضر, تحولت شعوب الحضر في المناطق المفتوحة الى البداوة , التي تمتاز بالعديد من الخصائص , منها ومن أهمها مسألة العيش أي المسألة الاقتصادية, التي أوجدت البداوة لها حلا يتمثل بالسطو واقتناص غنائم الحرب, التي اعتاش البدو وقبائلهم منها , والتي كانت الموجه والمشجع الرئيسي للعديد من تطورات الخلافة الحجازية , فغزوة اسبانيا بدأت بتجربة استطلاعية من قبل الأمازيغي” طريف”, الذي قدم معلومات عن غزارة ما يمكن سرقته من اسبانيا , وبناء على ذلك وعلى ماجاء به طريف من غنائم , ولدت غزوة طارق بن زياد, وبناء على غزوة طارق بن زياد ولدت غزوة موسى بن نصير, الذي جاء بأكبر قدر عرفته الخلافة في دمشق من المنهوبات والسبايا , وعلى غزوة اسبانيا يمكن قياس الغزوات الأخرى , التي نظمت من قبل الخلافة بشكل مشجع للانخراط في الغزو , فقد كان لتقسيم الغنائم بين الخلافة كرب عمل وبين المجاهدين احكاما , للفريق الأول خمس وللفريق الثاني أربعة أخماس , لم يكن من المنتظر أن تقبل الخلافة الشمولية الجشعة بالخمس , الا أن الخلافة كانت على قدر كبير من الوعي بطبيعة البدوي , الذي لايحرك ساكنا دون نصيب مغري من الغنائم .
فلسفة غنائم الحرب و تعريف الحق بدويا, كان المؤسس الرئيسي للفساد , فالبدوية ترى بأن الغنائم حقا مكتسبا للبدوي, الذي دفع أصلا ثمنها , والثمن هو الجهد المبذول في الحصول على” الغنيمة” , ثم مباركة الخلفية الدينية للأمر “كلوا مما غنمتم حلالا طيبا ” , وهكذا لاترى البدوية في الغنينة سرقة أو ماشابه , الغنيمة حلال زلال على اللص, عقلية غنائم الحرب وفلسفة الحق البدوي استمرت حتى اليوم بشكل ظاهرة التعفيش كاسم مستعار لغنائم الحرب , التعفيش كان صورة صادقة ونسخة طبق الأصل عن ظاهرة غنائم الحرب البدوية .
قد يتعجب البعض من ذلك الثبات بما يخص عقلية غنائم الحرب البدوية وذلك الثبات بما يخص الفساد الذي تعاني منه هذه الشعوب الآن ومنذ زمن بعيد , لقد كرس اقتصاد المغازي اعتماد الغزاة على ريع الغزوات ,وعرقل انتشار ثنائية العمل -الانتاج بشكل يؤمن للانسان دخلا كافيا عن طريق الانتاج وليس عن طريق الفساد وغنائم الحرب , العيش عن طريق السرقة مكرس لفساد الأخلاق وللانحطاط , انظروا الى شعوب المنطقة والى اخلاقها !!
من الصعب جدا فصم الحلقة المغلقة التي تربط الفساد بالعقلية ,حيث يسيطر على ازدهار الفساد قانون ال feedback, فالعقلية البدوية تنشط الفساد والفساد ينشط العقلية في اطار رعوية بدوية لاتعرف سوى الاجترار والتكرار , فالعقلية البدوية تمضغ وتجتر ثقافتها وتعيد انتاج نفسها بنفس القالب والشكل , اعادة انتاج الذات بنفس القالب والقلب يقود الى تحصين هذه العقلية ضد الجديد وضد استنهاض ثقافة وفكر ورشد جديد , بالنتيجة يستمر الدفاع عن عقلية غنائم الحرب, التي يمكننا تسميتها “فساد شرعي”, الذي نلمسه ونراه ونسمع عنه كل يوم وكل لحظة .
لايفسح الفساد أو عقلية غنائم الحرب المجال الا لتغيير باتجاه فساد أعظم بجلابية أخرى قد تكون بيضاء , حيث يتراءى للبعض بأن الفساد في طريقه الى الزوال , هنا يظهر الفرق بين الناظر والفاحص , الناظر يرى والفاحص يكتشف , الفاحص يقول بأن عقلية المجتمعات البدوية الرعوية لاتنهي الفساد بقدر ما تمكنه وتأصله , لايمكن للاصلاح أن يحل محل الفساد لأن الفاسد أي رجل التعفيش وغنائم الحرب لاينتحر طوعا ,ولا يقبل كبديل عن الفساد الا فسادا أعظم .
انتقلت ثقافة الفساد المتعضي في جسد البدوية الرعوية الى وجدان وأجساد شعوب المناطق المفتوحة , خاصة بسبب طول فترة الاستعمار التملكي البدوي , هذه الثقافة وذلك الازمان مكن الفساد من ابتداع طرقا لاختراق أي قانون والالتفاف عليه ,التجارب والخبرة في المجتمعات العربية أظهرت صعوبة ضبط الفساد بالقوانين والعقوبات مهما ارتفع مستواها , فالفساد المحتال كان قادرا على لوي رقبة كل قانون.
لانظن بفاعلية أي وسيلة لمعالجة الفساد, بدون معالجة التردي الثقافي, الذي لاعلاج له الا عن طريق نشر حرية الراي والنقد والمراجعة ,لايصلح الفساد الاجتماعي الثقافي الا زرع توازن بين الحقوق والواجبات , جوهره تقدم ممارسة الواجبات على اكتساب الحقوق , ولايمكن محاربة الفساد الا عن طريق تغيير العقلية البدوية بخصوص فلسفة غنائم الحرب وبخصوص السبل التي توصل الانسان الى تأمين حاجته عن طريق العمل والانتاج, وليس عن طريق النهب المبارك والذي سمي حلالا زلالا للتنعم به .
