تمثل داعش اخونجية مكثفة , الأكثر اصولية وسلفية من بقية الاخونج , الا أن المحور واحد والخلفية واحدة والهدف واحد , الهدف هو الغاء التاريخ السوري , بقصد الانفراد في تمثيل سوريا وبلاد الشام حضاريا , ليس لديهم مايمكن مقارنته مع الحضارة السورية , وليس لديهم مايمكنه منافسة الحضارة السورية , لذلك الى تخريب وتدمير الآثار الحضارية السورية .
في القرن الاخير تم اللجوء الى تعريب الأسماء والتسميات , لذا اصبحت سوريا جمهورية عربية , وكأن هذه الجمهورية تحضرت وارتقت على يد العرب والعروبة ,ولا اعراف لماذا لم يشرفوا سوريا بالعثمانية التي احتلت البلاد لمدة ٤٠٠ سنة ويصبح الاسم الجمهورية العربية العثمانية السورية او الرومية اضافة الى ذلك , لأن الرومية احتلت سوريا لمدة ٧٠٠ سنة , واقع الأمر يبرهن على ان بدو الجزيرة ومن بعدهم بدو الأناضول لم يتركوا ورائهم في سوريا سوى التصحروالتأخر في بلاد كانت عامرة بالبنيان والتحضر قبل مجيئهم , لاتعني البدوية العربية او البدوية العثمانية في سوريا وبقية بلاد الشام , سوى النخاسة والجزية والطورقة وما جاء في العهدة العمرية المخزية.
تكونت في بلاد ما بين النهرين وفي المنطقة المحيطة بنهري دجلة والفرات ,وبشكل عام في كل من العراق وسوريا أكبر مستودعات العالم تخزينا للتراث الحضاري ,الذي توقف انتاجه بالكامل قبل ١٤٠٠ سنة , والتوقف مستمر لحد الآن , تبدون البلاد يعني انحطاطها , والانحطاط تعبير عن أزمة عميقة ,قادت الى حروب أهلية مدمرة كالحروب بين قبائل الجزيرة , وبذلك انتقلت حروب القبائل بين بعضها البعض الى حروب مع الجوار القريب والبعيد مثل حروب فتوحات الهند وشبه الجزيرة الايبرية وبلاد الشام وشمال افريقيا وغيرهم .
لم يتغيرهدف ومبدأ السلب والنهب اي غنائم الحرب , فبدلا من أن ينهبوا بعضهم البعض , تحولوا الى سلب ونهب الغير , والشعار لكل ذلك كان “وانعموا بما غنمتم حلالا زلالا ” , اي أن الدعوة شرعنت حروب السلب والنهب واخترعت لهذه الحروب احكام وقوانين خصت توزيع الغنائم , مثل قانون الخمس ,وعن طريق الخمس تحول المصطفى الى مليارديرا حسب ما قال الشيخ وجدي غنيم ,وطفحت بيوت المال خاصة الأموية بالأموال والغنائم,وتطبع أهل بلاد الشام بالطباع البدوية , لذلك كان الخراب ونفسية التخريب التي قضت على الدول التي اقيمت بعد الحرب العالمية الأولى, موضوعيا كان لهذه الدول حظوظا كبيرة في النجاح والتقدم , الذي انعكس تحت قيادة العروبيين والاخونج الى اندثار وتأخر.
ظن العروبيون أن تحويل المستعمرات بشكل ما الى “عربية” اي سوريا مثلا الى عربية او مستعربة يمكنهم من تحويل الفتح والفزو الى تحرير الاشقاء العرب من الاستعمار الروماني-الفارسي , الغازي محرر بالرغم من برنامج العهدة العمرية , الذي لايعرف التاريخ الاستعماري شبيها لها في شناعتها , وظنوا ان ذلك يتطلب الغاء تاريخ الشعوب الممتد الى عمق ٧٠٠٠ سنة او أطول , ظنوا انه بامكانهم اعتبار بداية تاريخ هذه الشعوب كان قبل ١٤٠٠ سنة , لذا كان من الضروري اتلاف معالم التاريخ الأقدم اي الممتد من ٧٠٠٠ سنة الى بداية الحقبة الأخيرة قبل ١٤٠٠ سنة, خضع البرنامج الى ثنائية التعريب -التخريب , لذا دمروا الشواهد الأثرية, ولا يزالون يدمرون , وآخر موجة تدمير كانت على يد داعش وعلى يد الاخونج , نشاطات التدمير على يد الاخونج كانت أقدم من نشاطات داعش الأخيرة , لقد اراد الاخونج دائما تهديم الأهرامات وقبلهم هدم صلاح الدين بعضها , كل ذلك حدث في ظل ترحيب من قبل المستعربين والاخونج المصفقين لداعش , والذين لايختلفون عن داعش بشيئ ,اليكم عرضا موجزا جدا عن الأضرار التي لحقت بالآثار وبالتراث الثقافي في كل من سوريا والعراق في سياق الغاء تاريخ الشعوب .
وصفت اليونسكو ما قاموا به جرائم حرب يعاقب القانون الدولي مرتكبها , وبالمقابل تم جمع ٧٥ مليون دولار بمبادرة فرنسية لحماية الآثار السورية -العراقية , ووقعت ست دول أوروبية اتفاقا للحد من نهب الآثار واتلافها بحسب ما ذكر موقع net art news.
ففي سوريا تعرض العديد من مواقع التراث الثقافى للخطر بشكل رسمى منذ عام ٢٠١٣, وتم الإبلاغ عن تعرضها للتلف في اذار ٢٠١٦, هذه المناطق مثلت محورا للكثير من تاريخ المنطقة الغنى الطويل, وإلى جانب ذلك تعرضت المواقع الأثرية القديمة مثل العاصمة الرومانية القديمة بصرى, والآشورية تل الشيخ حمد, إيبلا ومارى من العصر البرونزى , دورا يوروبوس, مجمع القلعة كراك دي شفالييه (الحصن ) , ثم المدن القديمة فى شمال غرب سوريا, بين حلب وإدلب للتدمير والاتلاف الجزئي او الكلي .
فحلب , التي احتلها داعش عام ٢٠١٢ إلى ديسمبر ٢٠١٦, كانت واحدة من مفترق الطرق التجارية الرئيسية من الألفية الثانية ,كما أنها تضم القلعة التى تعود للقرن الـ ١٣, ,ثم الكنائس التي بنيت فى القرن السادس عشر,أو غيرهم من المعالم التراثية , ووفقا لخريطة الأقمار الصناعية التى قامت بها اليونوسات تضرر حوالي ٣٥٠٠٠ مبنى , وبحسب ما ذكره اليونسكو فأن تاريخ المدينة القديمة قد دمر , أما في الرقة التي احتلتها داعش عام ٢٠١٣ فقد تم تدميرالعديد من المعالم الثقافية كالمزارات وغيرها.
وفي تدمر , التي احتلتها داعش بين عام ٢٠١٥ وعام ٢٠١٦ للمرة الأولى وبين عام ٢٠١٦ وعام ٢٠١٧ للمرة الثانية , وفي اول احتلال دمر الدواعش الأسد اللات , وهو تمثال يبلغ من العمر ٢٠٠٠ سنة , كان يحرس في قديم الزمان معبدا خاصا للآلهة , وقد تم نقل العديد من القطع الأثرية المتواجدة داخل متحف تدمر الى أماكن أخرى من البلاد لبيعها , وقد كان عند داعش مكتبا خاصا لبيع الآثار بدخل سنوي وصل الى مليار دولار , لقد تم تدمير معبد شمسين وبعد ذلك تدمير قوس النصر ومتحف الفنون الشعبية وخلال احتلال داعش الثانى للمدينة, تم تدمير بقايا تيترابليون الرومانى القديم وجزء من مسرح رومانى قريب.
وفى العراق, تم تدمير ثلاثة من أصل أربعة مواقع للتراث الثقافى المسجلة رسميا , قامت داعش بحفر الأنفاق في الموصل ومواقع التراث الأخرى بحثا عن الآثار لبيعها في السوق السوداء, وفي الحضر التي احتلتها داعش بين ٢٠١٤ و ٢٠١٧ تم تدمير ما بني فى القرن الثالث قبل الميلاد , الذي تميز بمزيج من الهندسة المعمارية اليونانية والرومانية والشرقية, وفى عام٢٠١٤, جرفت داعش المدينة, ونهبتها ثم أتلفتها, اما في الموصل , التي تم احتلالها عام ٢٠١٤ ,فقد تم حرق مكتبتها التاريخية ,على الرغم من جهود المواطنين لإبعاد المسلحين عنها بسلسلة بشرية , كما دمر ونهب قبرا يعتقد أنه ينتمى إلى النبى التونسى جوناه (من شهرة “جوناه والحوت”) ,فضلا عن بناء مخصص للقديس جورج, وفي نمرود التي تم احتلالها من قبل داعش مابين ٢٠١٤ و ٢٠١٦, والتي تقع على بعد ٢٠ميلا جنوب الموصل, نمرود العاصمة الملكية للإمبراطورية الآشورية الجديدة فى منتصف ٨٠٠ قبل الميلاد, وظلت العاصمة الدينية حتى القرن السابع, وتتضمن المبانى الملكية الضخمة, التى كانت مزينة بالمنحوتات, والنقوش, والبلاط المزجج تم تدمير ٨٠٪ من المباني , التي تحولت إلى ركام, لأنها حسب نظرة داعش وثنية , أما في نينوى فقد تم تدمير القصر الضخم للملك الآشوري سنحاريب , الذى تحول ٧٠٪ منه إلى ركام, كما دمرت جدران التحصين فى المدينة, التى تعود إلى ماقبل ٢٥٠٠ سنة, مصير حترة لم يختلف عن مصير غيرها.
ترى اليونسكو, ان الهدف من تدمير التراث كان محو التاريخ , نفسية وخلفية هذه الأعمال لاتختلف عن نفسية وخلفية تدمير الآثار البوذية (تورا بورا ) في افغانستان , ولا تختلف عن تدمير تركيا لمعبد دارة (شمين ) ولا عن تدمير الأهرامات , وفي كل هذه الحالات نكتشف خلفيات متنوعة , الدينية في مقدمتها .
Post Views: 586