ممدوح بيطار :
قال لهم اني الواحد الأحد وعليكم بالتوحيد وباللون الواحد والرأي الواحد والاتجاه الواحد , وذلك بالرغم من أنكم بطبيعتكم متعددون , وبالرغم من أنه لا يمكن لأي مجموعة بشرية الا أن تكون متعددة, ثم تريدونها ديموقراطية ! , وأين هي ضرورة الديموقراطية المدنية في ظل التوحيد ؟, فالديموقراطية تنظم تفاعل المختلفات مع بعضها البعض لمنع الخلافات , ألم تلاحظ خير أمة مايلفت النظر في تاريخ التوحيديات المقرون بحروب متواصلة ثم ابادات مستمرة ,عنصريات وديكتاتوريات باسم الواحد الأحد !.
تقوم الرؤية التوحيدية على مفهوم الاستبداد والاقصاء والنبذ والحرب على المختلف وعدم الاعتراف بوجوده , وبالتالي يصبح الغائه حتى بالسيف ضرورة لنقاء التوحيد , رؤية لاتستقيم مع مبدأ الوحدة في التعددية , وانما تستقيم مع التفرقة عند فرض التوحيد واالتجانس ,الذي يمثل السعي الى تحقيقه اغتصابا لطبيعة الانسان .
لايمكن لأي مجتمع أن يحقق شروط التوحيد سلميا , فالتوحيد ممكن في اطار فئة صغيرة من الشعب , لذا تجنح الفئات الصغيرة الى البحث عن الديكتاتور الذي يلوي رقبة المختلف قسرا وبالعنف , وحتى الفئات الكبيرة تبحث عن ديكتاتور مناسب وقادر على لوي رقبة الآخر المختلف , لوي الرقاب ترجمة للعنف والحرب والاسستبداد والاقصاء , التوحيد عمليا ديكتاتورية , سواء كانت ديكتاتورية أقلية أو ديكتاتورية أكثرية .
من أجل فهم الحاضر الاخونجي المتمثل بالاخونج السياسي , يجب التعرف عليه باعتباره تاريخ وسلطة دينية -دنيوية, وعلى اعتباره عالما راكدا بفعل المقدس , ثم الانتباه الى مسلكية التوحيد ومن حيث كون التوحيد بشكل مجرد هو تشويه لطبيعة الانسان, ففي مجتمعات انتاج الخلافات بسبب الحرب على الاختلاف , يعتبر العنف جوهريا أداة السلطة المركزية, التي لايمكن لها الا أن تكون متسلطة , لأنها تحتكر القوة الديكتاتورية وتحتكر الحقيقة شكلا , فالدين الحنيف بدأ سياسيا ومؤسسا على البنية القبلية الأبوية التفليدية وعلى الصراع على السلطة ,بعد تفاقم الشهوة على امتلاكها , التي لايمكن لها الا أن تكون جزئية في تمثيلها للشعب وجزئية في قمعها للشعب ,أصبح التوحيد ملازما للالغاء حتما وملازم للاستبداد حتما وللتفرقة الحقيقية حتما, لاتوحيد بين ظالم ومظلوم الابالتكاذب(نال عبد الناصر ١٠٠٪ من الاصوات عام ١٩٥٨ ) ,ولا يمكن اقصاء الآخر او الغائه الا بالعنف , الذي تمارسه سلطة سياسية ـ دينية تفرض رؤيتها وقراءتها الخاصة للنص بما يتناسب ويتوافق وينسجم مع اهدافها .
فهم العنف المشهدي المرتدي للعباءة الدينية , أي الارهاب الأعمى كارهاب داعش , يتطلب أكثر من التوقف عند النصوص الدينية التي تعتبر بخصوص العنف والارهاب تأسيسية له , لابد هنا من التفكيربالشروط الوجودية الثانوية للارهاب ,من حيث كونه أيضا حركة احتجاج هوجاء على الفشل المتجلي بالفقر والتأخر , وذلك بالرغم من احتكار العباءة الدينية لكامل مسببات الفقر والتأخر , انهم يرهبون الغير انطلاقا من آلية “الاسقاط” المعروفة في علم النفس يسقطون أسباب التأخر على غيرهم ويحاولون عقابه , مع أنهم ذاتيا هم السبب الأول الوجودي والأخير للتأخر والفقر , واذا كان الارهاب عقابا للمسبب فما عليهم الا ارهاب أنفسهم ,البعض ينتحر في حالات من هذا النوع , الا أنهم لايمتلكون الشجاعة للانتحار , انهم أصلا جبناء !.
هناك من يدعي أن التوحيد أمر “الهي” فقط , توحيد في السماء وعلى الارض تعددية !!, واقعيا لاوجود للتوحيد حتى في السماء , فاله عيسى هو غير أله محمد وغير اله موسى , وعلى الأرض لاوجود للتوحيد الحقيقي , ماهو موجود على الأرض ليس الا توظيفا لمفهوم التوحيد من أجل تبرير احتكار الحكم ,من حيث أنه لاوجود الا لشرع الله على الأرض, ثم حذف المختلف وشن الحرب عليه , فالتوحيد هو الخلفية الأساسية الذي ينطلق الارهاب منها.
كانت التصورات السياسية في القرون الأربع عشر الأخيرة دائما فرعا من التصورات الدينية , التوحيد شكل دائما منطلقا مركزيا ليس فقط للارهاب وانما لكل حركة فكرية في تاريخ هذه القرون , كان هناك ربط وثيق بين قضية التوحيد الالهي وقضية التوحيد السياسي السلطوي ,كما في السماء كذلك على الأرض!!! , التوحيد الأرضي أصبح الأب الشرعي للديكتاتورية السياسية والدينية بآن واحد , فرض التوحيد سياسيا قاد الى العكس منه أي الى التمزيق , الذي نرى ونلمس اشكالياته ومشاكله وحروبه في العديد من المجتمعات حتى هذه اللحظة .
