الفتوحات وتبرير الاستعمار التملكي !

 ممدوح بيطار, جورج   بنا  :

 

      بالنتيجة  برهنت  الفتوحات عن كونها كغيرها من الحروب الاستعمارية والحروب المقدسة,حروب استعمارية استغلالية , جوهريا لافرق بين كل اشكال هذه الحروب , من ناحية التبرير لا وجود لحرب احتلال دون تبرير ملفق , الا أن التبريرات الاسلامية تختلف بعض الشيئ عن التبريرات     التقليدية الأخرى,    ولكن  الجوهر واحد .

  يتعلق الفارق الأساسي   بمفهوم الجهاد الذي يروج لنبل وقداسة هذه الفتوحات , ثم التكليف الالهي لنشر الدين    الحنيف  في ظل الاعتراف بأنه لا اكراه في الدين ,   لكم دينكم ولي دين , هنا يصطدم استخدام السيف في عملية التبشير ونشر   الدين مع الاعتراف بأنه لا اكراه في الدين!,  اضافة   الى   ذلك   لايستقيم التبشير بالدين   الجديد مع ممارسة   السبي وفرض الجزية   واختطاف  المصريات  والأمازيغيات    والاسبانيات    وغيرهن  من البلدان المفتوحة للعمل كجاريات في قصور الخلافة.

  لم يتضمن التكليف الالهي ممارسة كل هذه التجاوزات , لذا يمكن ويجب اعتبار الفتوحات عملية سلب ونهب وامتداد لما مارسته القبائل    العربية   البدوية  في الجزيرة العربية قبل   الدعوة,   اذ اعتاشت هذه القبائل من الغزو ومن غنائم الحرب ,    اتت   الدعوة  ووحدت القبائل   عسكريا ووحدت ايضا نفسية ” الغزو ” عند هذه القبائل ,ووضعت     احكاما     لاقتسام    الغنائم(قاعدة  الخمس ) , ثم زودت هذه القبائل المدمنة على الغزو بمبررات اضافية كمبرر قدسية وضرورة نشر   الدين اضافة الى التشجيع على الافراط في الجهاد حتى الموت , فالموت هو مقدمة   لحياة أخرى , انه   انتقال من الحياة الفانية الى الحياة الأبدية, حيث الحوريات بأعداد وأشكال تفوق كل تصور , وحتى عذرية   الحوريات كانت من الثواب المضمون لكل مجاهد في سبيل الله  ودين   اللله .

ما يميز الغزوة عن الاحتلال النفعي الاستعماري  كان  عامل الفرض الديني لاستكمال تكوين المسلم   الأعلى , الفرض أخبث من الحاجة المادية الاستعمارية الخسيسة ,   فالحاجة النفعية عند الاستعمار التقليدي محدودة وليست شاملة , أما الفرض الديني فلا يهتم الا بالانسان الذي عليه أن يتأسلم , والانسان موجود في كل مكان , لذلك   كان من واجب   المؤمن  وضع كل مكان يسكنه انسان تحت  مظلة   ورعاية    الخلافة  , فكل انسان بحاجة    الى   الدين   الحنيف  لضمان الخلاص في    الحياة   الأخرى   الأبدية .

حاجة   المؤمن  الى الغزو والاحتلال   كانت  حاجة مستمرة ,ولا يقف في طريقها الا عامل عدم المقدرة على   ممارستها ,  يوما  ما  توقفت الفتوحات ولم يبق من ثقافتها الا التباكي عليهاوالتفاخر   بها  , العالم بعكس ذلك  كان    فرحا جدا لانعدام المقدرة على القيام بفتوحات   جديدة  , تصوروا امتلاك ٤٠٠  مليون  محمدي لامكانيات ٤٠٠  مليون أمريكي عسكريا واقتصاديا وسياسيا , فكيف سيصبح حال العالم عندئذ ؟

 من   الضروري  النظر الى  الفتوحات كواقع تاريخي يتأرجح بين الوحي من جهة والواقع من جهة أخرى ,   لذلك      كان    على  البشر واجتهادهم اللجوء الى الوحي تارة أو الى الواقع تارة أخرى أو الى الاثنين معا حسب الحاجة وحسب الظروف , فاللجوء الى الوحي ينفي الحاجة لمبررات اضافية , فكلام الله هو بحد ذاته المبرر لنفسه ولاحاجة   لكلام الله أن يكون منطقيا حسب المعايير    الدنيوية  ,لأن كلام الله أصلا معيار لكل شيئ.

علاقة الواقع مع الوحي  كانت  علاقة تكافل وتضامن ,الواقع يتضامن مع الوحي , والوحي يدعم الواقع حسب الضرورة والظروف , فواقع التهديد الافتراضي البيزنطي والفارسي    للخلافة كان له تأثيرا ليس بالقليل على غزوة سوريا وبلاد    الشام  , وقد اقترن هذا الواقع التبريري مع الوحي الآمر بنشر  الدين  في المنطقة السورية   اي   بلاد   الشام  , نتيجة لذلك   كان  على   الرومان الرحيل,عندها يتمكن كل انسان من التأسلم لابل   كان   على   الذمي  أن يتأسلم تجنبا   للجزية   ودفعها    عن   يد   وهو   صاغر ,    ثم المضايقات الأخرى المتمثلة باعتبار   الكافر  مخلوق   من  الدرجة الثانيةأو   الثالة ,وبالتالي   عليه   أن  “يطورق”,  وعليه    التقيد   بما   جاء   في   العهدة   العمرية   من  بربريات  !!

علاقة الدين مع الدولة في العصور الوسطى كانت علاقة اعتمادية ,هناك الدين ورجاله والدولة ورجالها , طرف يعتمد على الآخر وبالعكس , وذلك من أجل ضمان سيطرة   الطرفان (اقتسام السلطة بين الدين والدولة), أتى  الدين    الحنيف بمنظومة الخلافة التي هي دين ودولة , وبذلك ألغيت ثنائية التحكم ليحل محلها احتكارية التحكم وديكتاتوريته ,مزج الدين مع الدولة في الخلافة الواحدة حول الفتح ظاهريا  الى “واجب”, بدلا من تمظهره عمليا “كحاجة “استعمارية” , الفتح قناع لنشاط استعماري أشد خبثا من النشاط الاستعماري التقليدي, الذي يخضع الى أحكام الحاجة أكثر من خضوعه الى أحكام الواجب .

واقع الأمر, إن مشكلة تبرير الفتوحات  تعود   الى   افتراض    أساسي,  هو قداسة هذه الفتوحات ونبلها,لأن الغابة   نبيلة   , مما جعل كل التفاصيل  الأخرى ثانوية  ومقبولة,ويجب  التعامل معها باعتبارهامقدسة , المقدس   كان    افتراض   لم   تعززه ممارسات التاريخ في   العهد   النبوي   وما   بعده,  لقد   فرض   التقديس   وفرضت   بحد   السيف   رؤية, ثابتة , كانت  رؤية  مثالية  الفتوحات ,  ولكي يتمكن   البشر   بالعيش    بشيئ  من   السلام مع   الفاتحين ,  كان   على   البشر  الاستسلام   الكامل   لابل   تقديم   التشكرات   للفاتحين  لأنهم   ابقوا  البعض  على  قيد   الحياة , اذ   لو   لم   يكن   الفاتحون    بمنتهى   الانسانية  والتسامح    لما   بقي من   أهل   بلاد   الشام  دابة   تدب   على   الأرض ,  عايش  أهل  بلاد  الشام   المجازر    مثل   مجزرة   باب   شرقي    والنهر الأحمر     وغيرهم  من   المجازر و استوعبوا  مقولة جئتكم  بالذبح !.

 الفتوحات  واقعة تاريخية,     يراها  البعض  واجبا دينيا    محقا   ومقدسا ,  ويراها   البعض  الآخر   اجراما    لاشبيه    له   في   التاريخ   البشري ,لقد  تم   التعتيم   المقصودعلى   ماجرى   في   سياق   الفتوحات    ولم   يوجد   في   اي   مرجع   تاريخي  محمدي   اي   ذكر   لموقف   اهل   بلاد   الشام  من  الفتوحات   اقتصر   الذكر   على   التبجح   بالانتصارات والتأكيد   على   بذل   الدم  من   اجل   الانتصارات كالقول   ان  ١٠٠٠٠٠ من   الصحابة  رووا   بدمائهم   ارض   المعارك  , حول  موقف   اهل   بلاد   الشام من الفتوحات   يوجد      محليا   مرجعا  واحدا  هو  كتاب   حسام  عيتاني     الممنوع      بيعه   في   كل   الدول   العربية ,  لكن   عصبة  الأمم   المتحدة   كانت   على   علم   بما  جرى   في   الفتوحات   عام  ١٩٠٥ ,  وقامت    باصدار   قرار   بمنع   الفتوحات  ,  التي   لايعرف   التاريخ   البشري   شبيها   لها !  

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *