ممدوح بيطار:
تتأسس الرؤية التوحيدية الواحدة على الاستبداد والاقصاء والنبذ والحرب على المختلف ,رؤية لاتتضمن الاقرار بوجود الآخر وبالتالي يصبح الغائه ضرورة لنقاء التوحيد , رؤية لاتستقيم مع مبدأ الوحدة في التعددية , وانما تستقيم مع التفرقة عند فرض التوحيد واالتجانس الذي يمثل السعي الى تحقيقه اغتصابا لطبيعة الانسان .
لايمكن لأي مجتمع أن يحقق شروط التوحيد سلميا , فالتوحيد ممكن في اطار فئة صغيرة من الشعب , لذا تجنح الفئات الصغيرة الى البحث عن الديكتاتور والديكتاتورية التي تلوي رقبة المختلف قسرا وبالعنف , وحتى الفئات الكبيرة تبحث عن ديكتاتور مناسب وقادر على لوي رقبة الآخر المختلف , لوي الرقبة هو ترجمة للعنف والحرب والاسستبداد والاقصاء , التوحيد يعني عمليا ديكتاتورية , ان كانت ديكتاتورية أقلية أو أكثرية .
من أجل فهم تاريخ الاخوان , يجب التعرف عليه باعتباره تاريخ وسلطة دينية -دنيوية, وعلى اعتباره عالما راكدا بفعل المقدس , ثم الانتباه الى مسلكية التوحيد ومن حيث كون التوحيد بشكل مجرد هدفا يلغي طبيعة الانسان, ففي مجتمعات انتاج الخلاف بسبب الحرب على الاختلاف , يعتبر العنف جوهريا أداة السلطة المركزية , التي لايمكن لها الا أن تكون متسلطة , لأنها تحتكر القوة الديكتاتورية وتحتكر الحقيقة مضمونا وشكلا , فالدين الحنيف بدأ سياسيا وتأسس على البنية القبلية الأبوية التفليدية وعلى الصراع على السلطة , التي لايمكن لها الا أن تكون جزئية في تمثيلها للشعب وجزئية في قمعها للشعب , التوحيد هنا ملازم للالغاء حتما وملازم للاستبداد حتما وللتفرقة الحقيقية حتما , فالوحدة بين ظالم ومظلوم مستحيلة , الا أن التكاذب كان بخصوص الوحدة من أيسر الأمور .
اقصاء الآخر والحرب على المختلف بهدف التوحيد كان أمرا تجلى دائما بالعنف وبالدم والاغتصاب , مؤسسة الاخونج السياسي لاتحبل الا بالتوحيد المسبب للعنف ولا تتمحور الا حول السلطة السياسية التي تفرضُ قراءتها الخاصة للنص المقدس بما يخدم توجهاتها وأهدافها.
فهم العنف المشهدي المرتدي للعباءة الدينية , أي الارهاب الأعمى يتطلب أكثر من التوقف عند النصوص الدينية التي تعتبر بخصوص العنف والارهاب تأسيسية له , لابد هنا من التفكير بالشروط الوجودية الثانوية للارهاب من حيث كونه أيضا حركة احتجاج هوجاء على الفشل المتجلي بالفقر والتأخر , وذلك بالرغم من احتكار العباءة الدينية لكامل مسببات الفقر والتأخر , انهم يرهبون الغير انطلاقا من آلية “الاسقاط” المعروفة في علم النفس , يسقطون أسباب تأخرهم على غيرهم ويحاولون عقابه , مع أنهم ذاتيا هم السبب الأول الوجودي للتأخر والفقر , واذا كان الارهاب عقابا للمسبب فما عليهم الا ارهاب أنفسهم ,البعض ينتحر في حالات من هذا النوع , الا أنهم لايمتلكون الشجاعة للانتحار , انهم أصلا جبناء !.
هناك من يدعي بأن التوحيد كان أمرا “الهيا” فقط ,توحيد في السماء وعلى الارض تعددية !!, واقعيا لاوجود للتوحيد حتى في السماء , فاله عيسى هو غير أله ابن عبد الله وغير اله موسى , وعلى الأرض لاوجود للتوحيد عمليا , لأن التوحيد ليس من طبيعة البشر , ماهو موجود على الأرض ليس الا توظيفا لمفهوم التوحيد من أجل تبرير احتكار السلطة ثم حذف المختلف بشن الحرب عليه .
التوحيد هو المبدأ الأساس الذي ينطلق منه الارهاب , فالتصورات السياسية هي فرع من التصورات الدينية , شكل التوحيد دائما منطلقا مركزيا ليس فقط للارهاب وانما لكل حركة فكرية في تاريخ ال ١٤٠٠ سنة الماضية , هناك رابط وثيق بين قضية التوحيد الالهي وقضية التوحيد السياسي , المهم بالنسبة لضحايا التوحيد بالدرجة الأولى هو التوحيد السياسي المؤسس للديكتاتورية السياسية والدينية بآن واحد (أبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب), فرض التوحيد سياسيا قاد الى العكس منه أي الى التمزيق , الذي نرى ونلمس اشكالياته ومشاكله وحروبه حتى هذه اللحظة .
