ليندا ابراهيم :
مرت الايام و توفي الاب ، فبكى عليه افراد الاسرة، و لكن ما اثار انتباهي هو بكاء صديقتي و امها عليه ذلك البكاء الشديد ؟!
لم افهم حينها سبب البكاء الشديد ، و لم استوعب ذلك التناقض الذي جعلهما حاقدين عليه ، وبنفس الوقت البكاء عليه ؟؟!!
بعد ذلك بوقت طويل فهمت ان العلة تكمن في مجتمعاتنا العربية و في دور السلطة الابوية التي يمارسها رب الاسرة على افراد العائلة ، حيث انها تفسد العلاقات الاجتماعية بين الناس وتفرغها من محتواها الانساني و تحصرها بين القوي و الضعيف من جهة، وبين الضعيف والاضعف منه من جهة ثانية…..
فالاقوى يمارس سلطته على الضعيف ،والضعيف بدوره يمارس سلطته على الاضعف ، فيصبح الجميع ضحية التعامل السلطوي و يفقدون بالتالي القدرة على التعامل على اساس المساواة ، و يصبح هذا التعامل من حب لسلطة الاقوى و الخضوع لها ظاهرة واضحة و منهجا للحياة لديهم ، و في كل مكان سواء في البيت او في العمل ، فتخلق شخصية ذات طبيعة مزدوجة ، بحيث تكون مستعدة للخضوع و التبعية لمن هو اقوى منه و تسلطيا و عنيفا لمن هو اضعف منه، لكن هذه الازدواجية تسبب له صراعا مقلقا ، فهو يشعر بالنشوة عندما يرى نفسه في مركز السلطة على الاضعف ، و بنفس الوقت ذليلا خانعا عندما يكون امام الاقوى سلطة فتتولد لديه مشاعر العدوانية تجاهه ، و لكنه لا يريد الاعتراف بميله العدواني فإنه يكبته في اللاشعور ويعبر عنه في الشعور على شكل حب وإعجاب شديد بالسلطة ، و بالتالي يكون قد اخفى ذلك الصراع و حقق توازنا شكليا كتبرير لشعوره بالذل ، و لهذا السبب بالضبط بكى افراد العائلة على الاب ذلك البكاء ،
فنحن في مجتمعاتنا العربية يتم ترويضنا منذ الصغر على تقبل سلطة الاب و مطلوب منا أن لانثور عليها أو نعارضها. لذا فإننا نجد أنفسنا مضطرين ما دامنا لانستطيع مواجهة هذه السلطة أن نكبت عداءنا لها ونبدي حبنا وإعجابنا بها؟؟!!! وهذا الإعجاب التلقائي والشديد بالسلطة يصبح فيما بعد إحدى الصفات التي تتميز بها شخصياتنا و تستمر معنا في كل علاقاتنا الاجتماعية حتى في تعاملنا مع الرؤوساء و القادة و الزعماء ، و لذلك
نحن في العالم العربي نقدسهم ونؤلف الأغاني والأهازيج في حبهم ونهتف لهم مؤكدين أننا سنفديهم بالروح وبالدم. إننا نعتبر الزعيم فوق المساءلة ونتجاوز عن أخطائه وجرائمه ونعتبر من يطالب الزعيم بالاستقالة خائنا للوطن.
لقد قام صدام حسين بتعذيب وقتل آلاف العراقيين الأبرياء وتسبب بحماقته وغروره في تدمير العراق برغم كل ذلك لازال عرب كثيرون يعتبرون صدام حسين بطلا عظيما ؟! كان معمر القذافي ديكتاتورا مجرما وأحمق بدد أموال الشعب الليبي، و قتل آلاف المعارضين الذين كان يسميهم “الكلاب الضالة”، برغم ذلك لازال الكثيرون في العالم العربي يؤكدون ان القذافي كان زعيما عظيما ؟!
و على الطرف الاخر فإن التجارب الديكتاتورية التي حدثت في الغرب مثل النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا انتهت بكوارث جعلت الغربيين يرفضون وجود أى ديكتاتور في السلطة بغض النظر عن سياساته، كما فعلوا مع “ونستون تشرشل ” رئيس وزراء بريطانيا الذي قاد بلاده في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية ، وبعد استسلام ألمانيا تظاهر ملايين البريطانيين في الشوارع احتفالا بالنصر . بعد ذلك بأسابيع قليلة خسر تشرشل الانتخابات وفقد منصبه كرئيس الوزراء!!!! لماذا رفض الناخبون الإنجليز التصويت لتشرشل برغم النصر العظيم الذى حققه؟ الإجابة أن الإنجليز برغم تقديرهم العميق لتشرشل اقتنعوا أن بريطانيا بعد الحرب تحتاج إلى زعيم جديد بأفكار جديدة!!
الفرنسيون فعلوا مثل الإنجليز مع بطلهم القومي الجنرال شارل ديجول الذي قاد المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي ثم تولى رئاسة الجمهورية عام 1958 ثم أعيد انتخابه في عام 1965 وفي عام 1969 دعا ديجول إلى الاستفتاء على بعض الإصلاحات التي اقترحها على جهاز الدولة فلم يوافق الفرنسيون على الإصلاحات.
فقدم استقالته ؟؟!
الغربيون يعجبون بالزعيم ويقدرونه، لكنهم يحتفظون بقدرتهم على تقييمه وبحقهم في سحب الثقة منه في الوقت المناسب!!
اذا اعزائي فنقطة البداية تأتي من السلطة الابوية و من ثم سلطة المدير ، و سلطة الوزير و سلطة الزعيم ، و سلطة النبي ، و سلطة الله ، فكلها عبودية …
فكما ان الاب يمارس سلطته على الطفل ، فينتج بعد ذلك انسانا فاقدا للثقة يتعامل في جميع علاقته على مبدا السلطة سواء مع افراد عائلته ام رفاق العمل وبنفس المقياس فان
الزعماء العرب جميعا يمارسون قمعا رهيبا على مواطنيهم الأمر الذى يجعل المواطن العادى يبتعد تماما عن المجال العام ويحتفظ بآرائه السياسية لنفسه ويتفرغ لكسب العيش وتربية أولاده ثم يتحول في النهاية إلى كائن ذليل جبان ينافق الزعيم خوفا من بطشه، ويسيطر تماما على الإعلام الذى يمارس يوميا عملية غسيل دماغ المواطن، فيحجب عنه الحقائق مما يمنعه من تكوين رأى موضوعي مستقل في الأحداث كما يلح الإعلام على عظمة الزعيم ويتغنى بإنجازاته الجبارة التي أبهرت العالم. كل ذلك بلاشك يؤثر في المواطنين، فيصدقون أكاذيب الإعلام ، و يأتي في هذه النقطة دور المؤسسة الدينية التي تروج لفكرة الخلافة الإسلامية عن طريق الزعماء واعتبارها من أركان الدين، مع العلم ان الخلافة من ناحية التاريخ أكذوبة كبرى لأن الإسلام لم يحدد قط أي نظام للحكم على أن التصور الذى يروج له الشيوخ ويقنعون به الشباب المتحمس بحيث يقدم دولة الإسلام على أنها كيان سياسي يضم المسلمين جميعا من كل الدول ويرأسها خليفة واحد تكون بيده مقاليد الأمور جميعا بدءا من قيادة الجيوش إلى تطبيق الشرع ثم يؤكد الشيوخ أن الخروج على هذا الخليفة حرام مهما كان فاسدا وظالما وأن غاية ما يملكه المسلم هو أن ينصح الخليفة بتقوى الله ثم يلزم طاعته بعد ذلك. هذه الصورة الذهنية للخليفة تقترن بالعواطف الدينية فتساعد على تقبل الزعيم المستبد وتقديسه.
إن العرب برغم ثرواتهم الطبيعية الهائلة وبرغم ملايين المتعلمين منهم لازالوا في ذيل الأمم يعيشون عالة على الدول الغربية المنتجة . السبب الأصيل في تخلفنا هو المجتمع الابوي السلطوي الاستبدادي الممزوج بالايمان .
يقول عالم النفس ” سيغموند فرويد ” في كتابه الكبت :
الطفل الذي نبت في بيئة عنيفة ورأى والده يقسو على أمه ويعاملها بغلظة، سيرسخ في ذهنه أن قسوة الرجال ضرورة تحتمها الحياة الزوجية! فينمو وبه ميل قوى يحدوه للقسوة على زوجته القادمة – فيعاملها بالطريقة التي كان يعامل بها والده أمه – لأن الصورة المرتسمه في ذهنه عن الحياة الزوجية هي صورة القوة والغلطة.
وقد تنعكس المسألة معه فبدلا أن يكون هو رسول – القسوة حامل الشر، يمسي نفسه موضع الإهانة، وقد تضطرب معه المسألة فيعجز عن تمييز الخير من الشر، فيلجأ إلى تمثيل القسوة تشبها بأبيه وفي الوقت نفسه يمثل الخنوع أنفة من تصرفات أبيه وتشبها بأمه فتراه قاسيا وضعيفا في وقت واحد – شامخا في السماء وذليلا. وبذلك تكون حياته مضطربة حائرة بين اللجوء إلى الشدة وبين اللين.
