الدين ورجاله والوطنية …

ليندا   ابراهيم    :

الكاريكاتير وفتاوى المشايخ .. بين الشيخ ابن باز والإمام عبده     لقد بقي العثمانيون قابعين على صدور الشعوب العربية اكثر من اربعة قرون و اغرقتهم بالجهل و التخلف وعلى الرغم من هذه المدة الطويلة من الحكم الا انها لم تخترع و لم تقدم اي شيء سوى ” الخوازيق ” تلك الخوازيق التي لا يزال الكثيرون من شعوبنا تشتاق لها .
انتهت السلطنة العثمانية عام ١٩٢٤ ،و تنحت امام قوة الدولتين الناشئتين فرنسا وانكلترا ، اللتان بدأتا بتوسيع نفوذهما و بتوزيع المنطقة فيما بينهما ، و من خلالهما انذاك استطاعت شعوبنا ان تتذوق بعضا من منجزات الثورة الفرنسية التي ارست دعائم العلمانية في الغرب بعد نضال مرير ضد هيمنة الكنيسة و سلطة البابوية منذ العصور الوسطى التي سموها ب ” عصور الظلام “.
و لكنهما لم يستمرا طويلا حيث كانت وقع الديكتاتوريات العسكرية العربية اشد واقسى من الحكم و الهيمنة العثمانية ، و من الاجحاف منا تسمية الانكليز و الفرنسيين بالاستعمار مقارنة بحكم تلك الدكتاتوريات ، حيث انها ايضاً لم تقدم اي شيء سوى اللعب على العاطفة الدينية و المشاعر القومية لشعوبها، وقد مارست هذا الدكتاتوريات على الشعب قمعا شديدا وجردته من حقوقه الإنسانية وحرياته العامة، وبعد ان دخل النفط في ساحة الاقتصاد و ارتفع سعره الامر الذي منح دول الخليج قوة اقتصادية غير مسبوقة، تلك الدول التي لا تزال حتى الان تؤمن بهيمنة قريش و ضرورة اذعان كل العرب لحكمهم، و من اجل تحقيق ذلك ، بدأوا بإنفاق ملايين الدولارات للترويج للفكر الديني المتطرف و إنشاء ودعم تنظيمات ارهابية اسلامية متطرفة كالفكر ” الوهابي ” و نتيجة القوة الاقتصادية لدول الخليج و الفقر الذي فرضته الدكتاتوريات العربية الاخرى اضطر الكثير من العمالة العربية للعمل في الخليج لكنهم عادوا بمفاهيم وعادات وهابية. عندئذ ظهر نمط جديد من رجال الدين، الا وهو المتمثل ب ” الداعية الوهابي ” الذى تدفقت عليه أموال النفط فصارت له برامج تليفزيونية ومساجد وجمعيات إسلامية ميزانياتها بالملايين.
ولقد نجح هؤلاء الدعاة – مع الاسف – في السيطرة على عقول ملايين المريدين الذين صاروا يتابعون شيخهم في التليفزيون وهم مبهورون بكل ما يقوله ويجلسون تحت قدميه في المسجد و عقولهم تنتظرهم داخل احذيتهم خارج المسجد و هم يتلقفون كل كلمة ينطق بها لتكون تعليمات مقدسة غير قابلة للشك ، واصبح هذا الداعية الوهابي في نظر مريديه ولي من أولياء الله لا تجوز محاسبته ولا يجوز الاختلاف معه، ولو جرب احد ان يوجه له النقد كانت ستنهال عليه بالشتائم البذيئة وسيتهمونه بالكفر و الزندقة و بالعداء للإسلام…….؟؟!!
فالإسلام في عقيدتهم هو ما يخرج من فم شيخهم!!!!!!
إن انتشار هؤلاء الدعاة قد ألحق ضررا عقليا و فكريا جسيما بالشعوب العربية، لأن الديكتاتوريات أستعملتهم كأدوات للسلطة وقد رأينا كيف وقف هؤلاء الدعاة ضد ثورات الربيع العربي في عام 2011 وأعلنوا أنها مؤامرة صهيوامريكية و ماسونية، كان هؤلاء الدعاة يستعملون فكرة الحياة الأخرى كمخدر يجعل المظلومين يتحملون الظلم، فهم يقنعون أتباعهم بتحمل حياتهم البائسة في انتظار النعيم بعد الموت. إنهم لايعتبرون الدين دفاعا عن الحق وإنما يحصرونه في مجموعة طقوس وإجراءات مثل التسبيح و الصلاة والصيام والحج. كما أن أكثر ما يشغلهم هو تغطية جسد المرأة؟؟!!
فهم يخوضون نقاشات لا تنتهى عن الخمار والحجاب والنقاب و نكاح الصغيرة ، ووطأ المحصنات ، واشتهاء ثم نكاح زوجة الابن …….
و الأخطر من ذلك أن الداعية السلفي او الوهابي يتحول إلى “مدرب إذعان” فهو يدرب أتباعه على تلقي كل ما يقوله كحقيقة دينية مطلقة ويطلب منهم الإذعان الكامل، فلا يحق لهم الاعتراض أو حتى التفكير المستقل وهو يرسخ في أذهانهم أنهم غير مؤهلين لمناقشته لأنهم جاهلون بالدين.
المشكلة الاكبر هنا – برأي – هي النقطة القاتلة عندما يتم التأثير البالغ على عقلية المريدين من اتباع اؤلاءك الشيوخ هم انفسهم مواطنو الدولة ؟؟؟!!!
فإن المواطن المذعن دينيا سرعان ما يكون مذعنا سياسيا أيضا ………؟؟!!
فإذا كان المريد يؤمن أن واجبه الديني يأمره بالإذعان للشيخ……..
فسوف يؤمن بسهولة أن واجبه الوطنى يحتم عليه الإذعان للديكتاتور……..؟؟!!!
إذا كان خاضعا للشيخ لأنه أدرى منه بشئون الدين…… سيكون من السهل أن يخضع للزعيم لأنه أدرى منه بشئون الوطن……………….؟؟؟!!!!
إذا كان يعتبر المعترض على شيخه عدوا للدين، سوف يعتبر كل من يعارض الزعيم عدوا للوطن …………؟؟؟!!!!
وإذا كان الشيخ في نظره يمثل الدين……….
فإن الزعيم يمثل الوطن……………….؟؟؟!!!!
. وإذا كان يعتبر أن سؤال الشيخ عن مصدر ثروته تطاول على مقامه الرفيع باعتباره يمثل الدين ………
فسوف يؤمن أيضا أن محاسبة الرئيس على ذمته المالية ستكون تجاوزا وإساءة للأدب في حق الرئيس باعتباره ممثلا للوطن ……؟؟!!
نعم اعزائي القراء هكذا سارت الامور مع الاسف حتى تحولنا الى مجرد قطيع نقتل بعضنا البعض على الهوية الدينية و القومية و الطائفية، و اصبح لكل منا وطنيته الخاصة به ،و كل مخالف هو خائن …..؟؟؟!!
و لكل منا طائفته الخاصة به و كل مخالف من الخوارج ….؟؟!
ولكل منا دينه الخاص به و كل مخالف هو كافر …..؟؟!!
لقد حلل السياسي و الاقتصادي الفذ ” كارل ماركس عقلية الدكتاتوريات و طبيعة تفكير الطبقة العاملة بكل دقة و وضح طبيعة الصراع الطبقي حين قال :
الفقر لا يصنع ثورة وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع الثورة .. الطاغية مهمته أن يجعلك فقيراً وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائباً ……؟؟!
و كذلك فعل “فريدريك نيتشيه ” حيث حلل وبدقة متناهية طبيعة الفكر الديني و عمل رجال الدين و تأثيرهم البالغ على عقلية القطيع عندما قال :
‏لا تقع ضحية المثالية المفرطة وتعتقد بأن قول الحقيقة سوف يقرّبك من الناس ، الناس تحبّ وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام. لا أريد البقاء مع الناس التي اشاركها أوهامها لأن هذا خداع وكذب…..؟؟!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *