ممدوح بيطار, سمير صادق :
انفصمت الوحدة , وبانفصامها تم تأبين مفهوم الوحدة , التي اعلنت بشكل مهلهل واعتباطي بعد عشرات مشاريع الوحدات بين دول عربية مختلفة , مشاريع بقيت على مستوى الثرثرة , وحتى الثرثرات الوحدوية تلاشت تماما بعد الانفصال , وتبخر التفكير الوحدوي الذي ازدحم في خيالات الناس وأحلامهم وآمالهم بالخلاص , وليس في عقولهم وموضوعيتهم وعقلانيتهم .
الآن بلغ مستوى منسوب التفكير الوحدوي مايقارب الصفر , وذلك بعد ان توضحت عدة نقاط كان لها أن تكون واضحة قبل التوقيع على اتفاقية الوحدة ,مثل وضوح مفهوم كون الأمة نتاج للدولة , وليس الدولة نتاج للأمة , منها ذلك التباين النفاقي بين السعي التمظهري للوحدة وبين السعي العملي لقتل ماتسمى الدولة القطرية , الممثلة عمليا لركن اساسي من اركان الدولة الموحدة , علاقة الدولة القطرية مع الوحدة علاقة أساسية , فقوة وتماسك الوحدة هو تعبير عن قوة وتماسك الدول القطرية المتحدة , فالوحدة لاتقوم بين الجثث, توحيد الجثث ميت قبل ان يعلن عن ولادته.
قام التفكير الوحدوي على التناقض والضدية بين الاخونجية الأممية وبين القومية العربية وعلى التناقض بين مفهوم الأمة ومفهوم الدولة وايهما مصدرا للآخر , وعلى تجاهل المصالح الحياتية للناس , قامت الوحدة على حب الوحدة وعلى الظن بأنها خلاصية ومحققة للأحلام , خاصة على كونها ممثلة لاعادة انتاج دولة الخلافة العربية البدوية , التي رأى الاخونج ورأت العروبة بها التقدم والمجد والتحضر تخيلا , ولكنها بالواقع لم تمثل التقدم والتحضر , انما التأخر الذي جاء مع البدوية وتمت شرعنه على يد الدعوة , فالذي حرك سيوف البدو باتجاه الهند واسبانيا وسوريا ووادي النيل لم يكن التحضر ولم يكن الشغف بنشر حضارة لاوجود لها عند ناشريها , فناشريها وواهبيها مثلوا البربرية بابشع صورها , بربرية العنف وبربرية غنائم الحرب , فعلى ثقافة غنائم الحرب والسرقات والجواري والسبايا يمكن تأسيس عصابة كعصابة علي بابا والأربعين حرامي ,ولا يمكن اقامة دولة المساواة والحرية والديموقراطية .
فشلت الفتوحات في صناعة الانسان النظيف ونجحت في تكريس شخصية الانسان الفاسد القاتل السارق الناهب , الذي تمكن خلال قرن من الزمن من القضاء على مشاريع الدول , التي فرضها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى وفي الحرب العالمية الثانية , لم تثمر جهود المنتصر بخصوص اقامة الدول , فبعد قرن من الزمن , اعاد العروبيون والاخوان الاعراب والمستعربين شعوب مستعمراتهم الى القبيلة والفردية والى الثأر والعنف والتعفيش والفساد والتعبد والاستعباد والحجاب وتعدد الزوجات وجرائم الشرف وثقافة الفتاوى وغير ذلك مما نراه ونسمعه كل يوم وكل ساعة ,
تاه البشر بين الانتمااء العربي لأمة واحدة خيالية وبين الانتماء لدولة ناشئة يحملون جنسيتها ولكنها مرفوضة من الوحدوين , وذلك بصفتها وليدة عهر سايكس بيكو التجزيئي , وكيف تجزيئ عندما لم تكن هناك دولة عربية موحدة ! , فالخلافة مثلت امبراطورية احتلالية وليست دولة , وسلطة الخلافة على المستعمرات لم تكن سلطة دولة انما سلطة امبراطورية , وسلطة الأمبراطورية العربية الحجازية لم تمارس سوى الاستغلال والنهب والاستعباد ولم تبني كما بنت روما , ولم تشارك سكان المناطق المحتلة في الحكم كما فعلت روما ايضا , ولم تحدث البلاد كما فعلت روما ,ولم يكن هناك خليفة سوري او اسباني او هندي , بينما كان هناك قياصرة من سوريا وحتى من اليمن وليبيا وغيرهم في روما , حتى في الجزيرة العربية لم تكن الخلافة دولة , انما كيان ديني استمد شرعيته من الشريعة , أصلا لم تكن هناك في ذلك العصر “دولا ” بالمعنى الحالي لهذه المفردة .
قدم الكاتب حازم صاغية قبل سنوات كتابا تحت عنوان “وداع العروبة ” , يتضمن الشريط المرفق قراءة لهذا الكتاب الجدير بالتعرف عليه
