فقد كان بروتستانتيا في البداية قبل أن يصبح كاثوليكيا ثم شيوعيا ثم يعتنق الإسلام عام 1982. يضاف إلى ذلك أن أطروحته الجامعية كانت عن هيغل ومشكلة الإلحاد و نهاية التدين في الغرب. وبالتالي فهو يعرف عما يتحدث عندما يناقش مسألة الأصولية أو التزمت أو الإكراه في الدين.. ولكنه يتحدث عن الأصوليات بالجمع لا عن أصولية المسلمين فقط كما يفعل الكثير من مثقفي الغرب. وبما انه مر بجميع الأديان تقريبا فإنه يعرف موضوعه جيدا.
فهو يقول بأن هناك أصولية يهودية ومسيحية وستالينية شيوعية بل وحتى أصولية تكنوقراطية علموية لا علمية وهي التي تتحكم بالغرب الرأسمالي المادي الإلحادي الذي لا يؤمن إلا بالماديات والشهوات. ثم يردف غارودي قائلا: صحيح أن الأصولية الإسلامية هي التي تشغل العالم حاليا بسبب ضخامتها كظاهرة كبرى. ولكن ذلك ينبغي ألا ينسينا خطورة الأصولية اليهودية التي استخدمت النصوص اللاهوتية التوراتية من اجل خلع المشروعية الدينية على المخطط السياسي الصهيوني الهادف إلى احتلال فلسطين وإقامة دولة إسرائيل.
كما ولا ينبغي أن ينسينا الدور السلبي الذي تلعبه الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة حاليا. وبالتالي فالاستغلال السياسي للدين ليس حكرا على العرب أو المسلمين كما يزعم بعضهم وإنما هو يشمل أيضا المسيحيين واليهود. ولذا فلكي نفهم الظاهرة الأصولية بشكل صحيح فإنه ينبغي علينا ان ندرسها من خلال منظور مقارن واسع يشمل كل الأصوليات أيا تكن. ولا ينبغي أن نحصر أنفسنا داخل إطار أصولية واحدة. هذه نقطة أولى أساسية.
وحده الغرب الأوروبي استطاع أن يتجاوز المرحلة الأصولية بعد عصر التنوير والثورة الفرنسية. ولم يعد يستخدم الدين كسلاح سياسي بعد فصل الكنيسة عن الدولة. وهذا تطور ايجابي بدون شك لأنه أتاح للغرب ان يتجاوز مرحلة الحروب الأهلية والمذهبية الضارية التي يغوص فيها العالم الإسلامي حاليا وبخاصة في العراق الجريح. كما وأتاح له أن يشكل المواطنية على أساس آخر يتجاوز الطائفية ويحقق المساواة بين جميع المواطنين دون أي تمييز.
وهذا اكبر انجاز للحداثة. ولكن روجيه غارودي يعيب على الغرب انه بالغ في الاتجاه المعاكس وسقط لاحقا في عبادة أصولية المال والرأسمال والإلحاد المقطوع عن كل تعال رباني وروحانيات. وهذا هو رأي البابا أيضا.. يقول غارودي في تحديده للأصولية ما يلي: الأصولية هي التزمت الديني. إنها تعني تجميد الإيمان الديني في لحظة قديمة من لحظات التاريخ وعدم الاعتراف بالتطور.
وبالتالي فالتزمت الأصولي يعني إيقاف عجلة الحياة والاستلاب في الماضي استلابا كاملا وبشكل حرفي لا جوهري. يضاف إلى ذلك أنني كأصولي مسيحي أو يهودي أو أي شيء آخر اعتقد اعتقادا جازما بأني امتلك الحقيقة المطلقة من دون جميع البشر. وبالتالي فكل من لا يعتنق ديني أو مذهبي فهو مجرم أو كافر أو ضال ضلالا مبينا. من هنا خطورة الأصولية التي قد تدفع بصاحبها إلى حد نبذ الآخرين بشكل قاطع واعتبارهم أنجاسا بل وحتى قتلهم أو استئصالهم إذا أمكن.
وبما أن غارودي كان شيوعيا فإنه يعترف بوجود أصولية لا دينية قائلا: هناك تزمت أصولي ستاليني سيطر على البشرية مدة سبعين سنة قبل أن يسقط مؤخرا. وهناك تزمت مسيحي كاثوليكي وتزمت جزائري وتزمت إيراني أو إسرائيلي الخ.. وهناك تزمت اليمين الفاشي المتطرف في أوروبا أو أميركا..
ثم يضيف قائلا: إن الأصولية السائدة في العالم الإسلامي حاليا مضادة لروح القرآن الكريم وجوهره ولا علاقة لها بالإسلام الصحيح وإنما هي مرض أو تشويه للإسلام الحنيف. ولكن أكثر الناس لا يعلمون بسبب الجهل والتخلف. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فإن الحل الذي يستخدمه الغرب وبخاصة أميركا لمواجهة الأصولية ليس هو الحل الأمثل. هذا اقل ما يمكن أن يقال. بل يمكن القول بأن الغرب مسؤول إلى حد كبير عن انتشار هذه الظاهرة بسبب سياسته الخاطئة والظالمة تجاه العالم العربي والإسلامي.
هذه حقيقة أصبحت معروفة للقاصي والداني. ولو أن الغرب غير سياسته المختلة تجاه فلسطين مثلا لخفت ظاهرة الأصولية كثيرا في العالم العربي على الأقل. ولا ينبغي ان ننسى الدور السلبي الذي تلعبه سياسة العولمة الجائرة التي تفقر دول الجنوب، بل وتهين كرامتها وتجوعها. فلو كانت العولمة ذات وجه إنساني لخفت أيضا نقمة الشعوب الفقيرة على الغرب الشبعان إلى حد البطر..
ولكن سوف يكون من الخطأ الديماغوجي القول بأن ذلك كاف لحل مشكلة الأصولية المتطرفة. فهناك علاج آخر ينبغي تجريبه ألا وهو: تقديم تأويل جديد للرسالة القرآنية والإسلامية. فالفهم السائد عنهما خاطئ، متخلف، ولا يتناسب مع روح العصور الحديثة. كما انه لا يتناسب مع العقلانية الناضجة والمدهشة للعصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية.
انظر بهذا الصدد برامج التعليم السائدة حاليا في كليات الشريعة والمعاهد التقليدية عموما بل وحتى في المدارس الابتدائية والثانوية وكل شيء.. نعم إنها بحاجة إلى تجديد جذري من أساسها. وهنا يكمن التحدي الأساسي المطروح على العالم العربي طيلة السنوات القادمة. وبالتالي فلا داعي للمكابرة أو المناورة. فالمسألة أصبحت مفضوحة ومكشوفة للعالم كله. وما قلناه عن برامج التعليم ينطبق أيضا على الفضائيات التلفزيونية بل وحتى على المساجد وخطبة الجمعة. فهي بحاجة إلى عقلنة وتطوير ولهجة أكثر رصانة ومسؤولية.
ويرى المفكر المعروف أن القاموس الفرنسي يحدد الأصولية على النحو التالي: ان الأصوليين المتزمتين هم أشخاص يرفضون إصلاح عقيدتهم أو تطويرها لكي تتأقلم مع الظروف المستجدة. إنهم يشكلون داخل الحركة الدينية العامة موقف التحجر والجمود المضاد لكل تغير أو تطور. وهذا يعني ان هناك فهما حديثا وليبراليا للدين غير الفهم الأصولي السائد منذ مئات السنين. ولكن لا يمكن التوصل إليه بسهولة.
من هنا صعوبة المأزق الذي يواجهه المثقفون المستنيرون في العالم العربي والإسلامي ككل. فالتأويل القديم للدين راسخ الجذور وله مشروعية تاريخية لا تنكر، هذا في حين أن التأويل الجديد حديث العهد وغير منتشر في صفوف الشعب حتى الآن. ولهذا السبب فإن المثقف الأصولي يحظى بقاعدة شعبية عريضة على عكس المثقف التنويري الذي يظل تأثيره محصورا بطبقة ضيقة جدا. على الأقل حتى الآن.
ولكن الأمور في طريقها إلى التغير والتحلحل بفعل عوامل داخلية وخارجية عديدة. والحق أن تجربة أوروبا تدل على ان تغيير موازين القوى ممكن. فحتى مطلع القرن العشرين تقريبا كان التيار الليبرالي التنويري في المسيحية لا يزال ضعيفا بالقياس إلى التيار الأصولي. أما الآن فقد انعكست الآية تماما. فالمتزمتون هم الذين أصبحوا أقلية قليلة معزولة تكاد تخجل من ذاتها وتختفي عن الأنظار.
وفيما يخص الجزائر يرى غارودي أن الاستعمار الفرنسي ساهم في تغذية التيار الأصولي المتطرف الذي انفجر لا حقا لأنه قمع الهوية الدينية والثقافية لهذا الشعب طيلة أكثر من قرن. فجاءت الأصولية كرد فعل عنيف على ذلك. ولم يهتم الاستعمار إلا بالعناصر التي قبلت بالانسلاخ عن هويتها التاريخية.
يضاف إلى ذلك انه شجع العناصر الأكثر رجعية وتخلفا: أي رجال الدين المرابطين الذين خضعوا للسلطة الاستعمارية واعتبروا متعاونين سهلين ان لم نقل عملاء.. وفي ذات الوقت راح الاستعمار يطارد العلماء التقدميين كالشيخ بن باديس والشيخ الابراهيمي وسواهما. ومعلوم أن هؤلاء العلماء الأجلاء كانوا يدرسون الدين بطريقة منفتحة وعقلانية نسبيا.
يضاف إلى كل ذلك أيضا ان الاستعمار الفرنسي لم يحاول تطوير المناطق التي يسكنها الشعب الجزائري وإنما صب كل اهتمامه على تنمية مناطق المستوطنين الأوروبيين. وبالتالي فهناك عدة أسباب لانفجار الظاهرة الأصولية المتعصبة في الجزائر أو غير الجزائر. ويمكن أن نضيف إليها البطالة المتفشية في صفوف الشعب بشكل مخيف وكذلك الازدياد الهائل لعدد السكان خلال اقل من ثلاثين سنة وعدم قدرة أي نظام على مواجهة احتياجاتهم بشكل لائق.

للاصولية تعاريف مختلفة ولنأخذ تعريف روجيه غارودي المتسم بتعميم مفهوم الاصولية , انه يعترف بوجود أصولية يهودية ومسيحية وستالينية شيوعية بل وحتى أصولية تكنوقراطيةكتلك التي تتحكم بالغرب الرأسمالي ثم يردف غارودي قائلا: صحيح أن الأصولية الإسلامية هي التي تشغل العالم حاليا بسبب ضخامتها , غارودي يعتمد تعريف القاموس الفرنسي للاصولية “ان الأصوليين المتزمتين هم أشخاص يرفضون إصلاح عقيدتهم أو تطويرها لكي تتأقلم مع الظروف المستجدة, إنهم يشكلون داخل الحركة الدينية العامة موقف التحجر والجمود المضاد لكل تغير أو تطور, اي ان غارودي يعتبر الاسلام الآن مرتعا للاصولية , لتعميم الاصولية عند غارودي علاقة مع ماضيه الشيوعي , غارودي يعترف بأنه لاوجود الآن لأصولية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية وبعد عصر التنوير . اذن الأصولية الأكبر عالميا هي الأصولية الاسلامية حسب غارودي وهو يؤكد وجود اصوليات غير دينية بخلفيات سياسية او مادية او غير ذلك ,