ممدوح بيطار ,ميرا البيطار:
مردود ممارسة الشخصنة سيئ وضار في كل ألاحوال, ومعظم الضرر يقع على من يمارسها من حيث لايدري, بأنها لاتدعم وجهة نظره بقدر ما تدينها , وبقدر ما تتضخم الأنا في الشخصنة تتقزم الموضوعية , ويولد حوار الطرشان بين الأشخاص , ويغيب الموضوع بين الابتعاد عن الموضوعية والاندماج في الشخصية , بين شمولية النظرة الموضوعية ومحدودية النظرة الشخصية , وأسوء ما يمكن للشخصنة أن تتطور اليه هو تعظيم الذات وتقديس موقف الذات وعدم القبول بنقد الذات , أو محاججة الذات , أو الشك بمقدرات الذات أو تفرد خبرات الذات , عندها تتحول الشخصنة الى اضطراب نفسي , يمكن القول بأنه مرض يستوجب ويتطلب العلاج .
عندما يتطور الاضطراب النفسي ويتحول الى مرض, تولد ظاهرة العدوانية وما تترافق به العدوانية من عنف لفظي مشبع بالاستعلاء والازدراء والتحقير والتحدي والتفاخر التصاعدي , الذي يقود الى انتاج الشخصية الفهلوية بسماتها المتمثلة بادعاء المقدرة على كل شيئ , ومعرفة كل شيئ بشكل مطلق , ثم المقدرة على ضبط الواقع والتحكم به اضافة الى استخدام مبدأ الازاحة والاسقاط , ازاحة المسؤولية!, واسقاط الكارثة على الغير المعروف أو الغير معروف المبهم كالمؤامرة !, الشخصية الفهلوية التي تنتجها الشخصنة تنفر من العمل الجماعي وتحبذ العمل الفردي(الأنا المتورمة), التي تنتج شخصية أخرى هي شخصية الزعيم التي تتطور الى شخصية الديكتاتور السطحي الهزيل والذي يصنع نفسه بناء على تصورات الزبانية , انه كما يصفوه وينفخوه , وليس كما هو حقيقة.
يعاني المشخصن من تآكل المقدرة على التواصل مع الغير , انه يتواصل فقط مع نفسه , وبذلك يفقد المقدرة على الاستفادة من تجارب الغير , يعيش معزولا , وبذلك يبتعد بالتدريج عن المألوف والمستساغ , ويتحول الى حالة شاذة نشاذ بفكره وممارساته , هنا تولد الدارة المعيبة , التي تقود الى تصاعد درجة العزلة , والى ارتفاع مستوى الشخصنة وانخفاض مستوى الموضوعية , براثن هذه الدارة المعيبة مدمرة في كل الحالات.
السؤال , هل يمكن التخلص من الشخصنة ؟ الجواب ملتبس ! , انه نعم ولا, سبب الالتباس والصعوب هو كون الاشكالية ملتبسة , انه من الصعب فصل الأنا عن الحدث فصلا تاما الا في حالات نادرة , الأنا معنية بالأمر وتتحرك ضمن التاريخ الحياتي النفسي والثقافي للشخص , مما يرغم للاجابة على السؤال بلا , الجواب بنعم ممكن اذا تمكن الانسان من الانطلاق من قاعدة أن كل العالم والحياة وكل مافي الأرض وما عليها يخضع الى أحكام وجهات نظر مؤسسة على النسبية , التي توازي بين وجه نظر الآخر ووجهة النظر الشخصية من حيث القيمة وليس من حيث التطابق أو المضمون , توازي القيمة يلغي امكانية التعالي وضرورة تخديمه من قبل الازدراء والتفاخر والانتفاخ , هنا يخضع الرأي أو وجهة النظر الى أحكام الطرح وليس اى أحكم الفرض .
ابشع أشكال الشخصنة نجدها عند بحث قضية اجتماعية , عندما يبدأ المشخصن في استخدام نفسه كبديل عن المجتمع أو الموضوع , وبذلك يحول المجتمع الى شخص له تجربته وظروفه الخاصة التي تختلف عن ظروف المجتمع وطريقة تقييم الحالة الاجتماعية , محور الشخصنة قائم على محاولة تدمير طارح الرأي أو الموقف , وليس على مواجهة رأيه أو موقفه , تتم محاولة تدمير الشخص المحاور بسبه وشتمه وتكفيره وتخوينه والتعرض لذويه وانسبائه , حتى لو لم يكن لهؤلاء اي علاقة بالموضوع قيد البحث , تحرف الشخصنة التفاعل الحواري النقاشي من المحور الموضوعي الى المحور الشخصي , كأن ينفجر البعض غضبا ورفضا وعدائية عند التعرض للطرف الثالث الغير متواجد على طاولة الحوار , بالرغم من أن هذا الطرف يقع في الحيز الموضوعي , فالتعرض لما يعتبره البعض رموزا مقدسة أو شبه مقدسة أو رموزا موعودة بالجنة أو غيرهم لايمت للشخصنة بصلة , واعتبار التعرض لهؤلاء الغياب تعرضا للمحاور انما هو اصطياد في الماء العكر, وقد قاد هذا الاصطياد الى العديد من الكوارث كالقتل , وكأن مايسمى “رمز” جزءا من شخص المحاور او ملكا شخصيا له …تأميم الرمز !!, وكم اشتعلت حروب بسبب هذه المنهجية المرضية خاصة في منطقة الشرق الأوسط , لقد فشلت معظم ماتسمى اجتماعات القمم العربية لأنها تشخصنت بشكل تهريجي شتائمي مثلا بين طيب الذكر القذافي وبين نقيضه طيب الذكر السعودي في العديد من المناسبات
Post Views: 404