توارى مفهوم “الفتنة” عن الأنظارلمدة ليست بالقصيرة ليعود في العقود الخمسة الأخيرة بقوة من خلال واقع عربي يتمثل بالاقتتال, الذي يوظف المعتقد التيولوجي في الصراعات السياسية المغلفة بغلاف الفتنة , لقد عادت المفردات والأفكار والمصطلحات القديمة لتصبح وسيلة لتوصيف مايحدث الآن من صراعات تخص بشكل رئيسي علاقة التيولوجيا بالسياسة.
يصر وينصح البعض بضرورة الابتعاد عن ممارسة “الفتنة “, وهناك من يعتقد بنزاهة هذه الدعوة وطيبة قلبها وحسن نيتها , الا أن الأمر ليس كذلك فلموضوع الفتنة تداعيات عدة يمكن تلخيصها بما يلي:
1-الفتنة مفهموم داخلي ,تم اختراعه لتوصيف حالات لاوجود لها في هذا العصر , فالفتن منذ ١٤٠٠ سنة عديدة جدا وتاريخ القرون الأربع عشر الأخيرة يذخر بها حتى في أيام المصطفى عندما اتهمه ذو الخويصرة بالجور في توزيع الغنائم, وعندما تم اتهام البعض باختراع الآيات وتوظيف هذه الاختراعات حسب ماتقتضيه المصلحة المادية -السياسية.
بلغ مفهوم الفتنة أوجه في قضية عثمان وتمدد ليشمل المعارك من صفين الى الجمل والى كربلاء وقبل ذلك حروب الردة , فضلا عن ذلك فالمفهوم ذو أصول جاهلية , لايعرف هذا العصر عثمان ولا يعرف غنائم المصطفى ولا معارك صفين ولا يعرف الجاهلية وقضية بني عباس وبني أمية , لذلك فان استخدام هذا المفهوم في هذا العصر في غير مكانه وفي غير زمانه , أسلمة السياسة جرجر معه تعاريف ومفاهيم وممارسات ماضوية كمفهوم الفتنة ثم مفهوم البيعة والولاية ودولة الخلافة والذبح والثأر والجهاد والقتل والجنة والحوريات الخ ,الفتنة اخترقت مرحلة التاريخ التي نعيشها الآن , وكان لها أن لاتخترق هذه المرحلة حالها كحال الاخونج السياسي, الذي أتى في غير زمانه ومكانه واخترق حياة الشعوب اليومية ثم صبغها بصبغة تأخرية ماضوية وكأنه على الشعوب أن نعيش في القرن الأول الهجري .
2-للفتنة دلالات لغوية مختلفة ,القصد هنا هو الدلالة السياسية الايديولوجية, فمن يفترض بأن صاحب الرأي الآخر هو بمثابة مثير للفتنة , يتهم الآخر بممارسة اجرام يفوق القتل “والفتنة أشد من القتل”, لهذا فان اتهام طارح الرأي الآخر بأنه يثير الفتنة هو اتهام خطير جدا يتضمن التكفير وعواقبه , الفتنة مشبعة بمعاني الاحتراب والعدائية , فمن يثير الفتنة هو بمثابة عدو خسيس منافق يمارس الافساد في الأرض ,مريض بمعتقده , ومحاربته واجب مقدس ,والسيف هو الوسيلة الوحيدة للتعامل مع صانع الفتنة ,صنع الفتنة محرم شرعا ,مثير الفتنة هو كالروافض أوالخوارج أوالنواصب أو المرتدة لاهوادة معهم ولا رأفة .
3-كيف يرى الخالق صانع الفتنة وماذا يعد له؟ لايرحم مثير الفتنة , الخالق سيذيق مثير الفتنة أعظم العذاب وسينال مثير الفتنة أكبر العقاب , أي أنه بمجرد وصم مخلوق بوصمة مثير الفتنة ,فقد آل الى محكمة السماء ,التي سوف لن ترحمه, هنا يصار الى تجنيد الخالق في تحريم الرأي الآخر تحت طائلة العقاب , لايحتاج الخالق حقيقة الى “تجنيد” لأنه هو مصدر الوحدانية ومحتكرها وحاميها , الهدف الحقيقي هو الغاء وشيطنة الفكر الآخر , الشيطنة تبدأ بوصف الرأي الآخر بأنه مثير للفتنة , وبعد ذلك تتوالى الأحداث القمعية والاحترابية ليصار عن طريقها حماية ديكتاتورية التوحيدية .
يحتاج مفهوم الفتنة الى تنقيب فلسفي , فالمفهوم مخاتل ,والاتهام باثارة الفتنة يخفي في طياته العديد من التشخيصات الخاطئة والتحذيرات الفارغة والتوعدات المتوحشة , العصر يتطلب ممارسة فن الاستفادة من التباين بين الناس وآرائهم ومواقفهم حيث لاوجود لوحدانية الرأي بين الناس , فالناس ليسوا واحد ,ومصير كل محاولة لقولبة الناس بقالب واحد سوف لن يكون الا الفشل !.اياكم والفتنة …
Post Views: 737