ممدوح بيطار , ميرا البيطار :
الكلمة والمفردة هي حامل ثقافة ,ولايحمل الثقافة الميتة الا المفردة الميتة ,والثقافة الميتة هي الثقافة التي تريد نسخ الماضي , ونسخ الماضي لايمثل أقل من ولع به والتعامل معه وكأنه ضروري للحاضر , انه نوع من استحضار الموت والأموات ,نوع يمثل حالة اخصاء ثقافي وتقهقر أمام تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل ,نوع يمثل عودة “ميمونة” الى الانحطاط , تمكن الكذب والتزوير من طلائه بطلاء ابيض براق , انحطاط وظفته الحركات العروبية في تلفيق أمجاد وهمية , فالحركات العروبية التي لم تحاول ولم تقتدر على صنع ماهو جديد ,اتكأت على ماض تم صنعه بالكلمة المزيفة وليس بالفعل والعمل , حركات عروبية استمدت قوتها من الأساطير والملاحم والتقديس , كل ذلك تحول الى مرجعية والى قاعدة وأسلوب , لم يقتدر حتى على اجترار الماضي السخيف , الاخونجيه الذين يريدون اجترار الماضي ايضا , ولكن بتطرف أعمق وعنف أشد وبربرية أعظم من بربرية العروبية , وكأن احياء الميت ممكن عن طريق التمثيل بجثته بعد نبشه هيكلا عظميا من أعماق القبور .
فشلت الحركات القومية في تطفلها على الماضي الميت وعلى توهم امجاده ومحاولة بعثها الى الحاضر , وستفشل الحركات الاخونجيه السلفية في تطفلها على الماضي الميت ومحاولة تلبيس هيكله العظمي بطبقة من اللحم والدم , محاولات يائسة وبائسة عدمية وعبثية , فالميت مات ومحاولة احيائه ليست الا تكريسا للجمود واعاقة للنهوض ,مات الميت في عبثية وعدمية الحروب وتيبس في صحراء الجهل والتأخر , والآن يحاولون تصحيرنا وقتلنا من جديد , لايمكن القول أنهم فشلوا في كل شيئ , نجاحهم كان مدوي في استحضارالتأخر الى الحاضر , وبذلك تمت اماتة المستقبل , فالموت لاينجب الا الموت.
هل يقظة مفردات كمفردة بيعة وعهد وشريعة والجهاد والاستشهاد والولاية والوالي والأمير والامارة والعديد غيرهم من البضاعة القديمة كانت يقظة “أبجدية” فقط؟, أو انها يقظة ثقافة فكر قديم ميت متكلس ومتيبس في صحاري الحروب عمره عشرات القرون , الأمر ليس أبجدي فقط , والكلام باستخدام تلك المفردات لايعبر عن افتتان بمفردات “أثرية”تكمن أصالتها في قدمها , انما لما لهذه المفردات الجامدة من وظيفة استحضار الجمود , وما هي دوافع استحضار الجمود الماضوي ؟ لايحاول الانسان العودة الى الدفاتر القديمة الا في حالة الفقر الآني وحالة العجز عن صياغة مشاريع مستقبلية , انه شكلا من أشكال افلاس الحاضر , افلاس يرغم المجتمعات على اللجوء الى بضاعة فاقدة الصلاحية …. هروب !!! ويرغم على اختراع أعداء افتراضيين , توكل اليهم مهمة تبرير العجز والافلاس عن طريق المؤامرة اللعينة الشريرة ,
لقد وجد الجمود العربي عدوا مثاليا في الغرب ,ومثالية هذا العدو تكمن في عدة نقاط , النقطة الأولى كون الغرب مصدر الفكر العلماني والممارسة العلمانية التي تنغص حياة العروبيين والاخونجية وتهددهم بحشر ثقافتهم الغيبية في الصوامع والجوامع وعزلهم عن الشؤون المدنية وعن ادارة الدولة , مما يفشل مشروعهم العروبي – الاخونجي للخلافة الممثلة للتيوقراطية !! , النقطةالثانية تكمن في الشعور الفوقي على الغرب الكافر , حيث انهم بمقدساتهم أقرب الى مكان مرموق في الجنة من الكفرة, الخالق ميزهم بالأفضلية وصنفهم في مصنف خير أمة ,وما هي ضرورة علمنتهم عندما يكونوا خير أمة ؟ بينما يريد الغرب باستشراقه وضعهم في مصنف أسوء أمة , لذلك فالغرب عدوهم اللدود ,ثالث النقاط هو عدم ادراكهم لأبسط مفاهيم الحياة … الغنى والثراء هو بالايمان , وليس بالمقدرة على اطعام الجياع او ترميم حالة الخراب العربي , لايدركون هول الغيبيات وقصورها ورسوبها في أول وأبسط امتحانات الواقع , عجبا كيف يتمكن الغرب من اطعام شعوبه واطعام جياعهم وهو الكافر المرفوض من الخالق ومن المصطفى , هنا لابد من وجود “مؤامرة” تهدف الى سرقة خيراتهم واستغلالهم واشعال نار الحروب في ديارهم… الخ
يسبح الشرق العربي في بحر من الأوهام والخرافات والغيبيات , وقد وصل هذا الشرق بأوهامه وخرافاته وغيبياته الى حالة متقدمة من الخراب , الاستمرار في النهج الحالي سيقود الى الخراب الكامل , لايمكن انقاذ هذا الشرق الا بعكس المنهجيات التي قادت الى خرابه , أي بالموضوعية والعقلانية والعلميةالأرضية
