سمير صادق :
نظرة تأملية على النظم العربية كالنظام السوداني قبل الأخير , الذي أتى على ظهر الدبابة وأسس نظاما مارس الشمولية والدينية, ثم الغى الأحزاب السياسية في البلاد , نظام استعدى العالم بكامله من الجيران شمالا وجنوبا الى القوى الدولية الفاعلة , نظام تفجرت في وجهه الأزمات والكوارث والانقسامات والمذابح والمطاردة من قبل محكمة الجنايات الدولية , وبالرغم من ذلك لم يكن بالامكان ترحيل البشير الى بيته أو الى السجن الا بعد جهد جهيد , والبشير لم يجد اي ضرورة لأن يرحل طوعا .
نظام البشير كغيره من الأنظمة, التي كان لديها قدرا كبيرا على المناورة خارجيا وداخليا , وفي هذا السياق كانت هناك بعض التنازلات الثانوية , التنازل الوحيد الذي لم يكن ممكنا , كان مغادرة الحكم والتفريط بالسلطة , لقد كان هناك استعداد لبيع مصالح الوطن أو تدميره أو الفتك بالشعب , حتى التجريد من السلاح الكيماوي في سوريا على سبيل المثال كان ممكنا وتم بسرعة مذهلة , بعكس اي محاولة لتقنين الأسلحة المخصصة للحروب الداخلية (٨٠ من اسلحة الجيش السوري معدة للاستعمال في الحروب الداخلية) , فلعدو هو الداخل وليس الخارج .
تؤكد الملاحظة التاريخية أن تغيير أنظمة هذه الدول من الداخل , أي من خلال الثورات والانتفاضات الشعبية , لم يعد سهلا, فلا وجود في قاموس السلطات العربية لما يسمى تنازل طوعي عن الحكم تحت أي ظرف , وذلك تيمنا بالحفاظ على التراث والممارسات التي سادت طوال ١٥ قرن من الزمن , التغير حدث من خلال انقلاب عسكري أو تدخل خارجي مسلح ,كل شيئ يتغير في العالم باستثناء الانظمة الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط المستعصية على التغيير بطرق شعبية أو ديموقراطية , لقد اطلق بدون اي خجل على نتائج انتخابات من نوع 99,99% لصالح القائد الخالد “عرس ” الديموقراطية , لم يكن حقيقة عرسا , انما تأبين وجنازة للحقيقة والنظافة والشفافية والاستقامة, مأتم وتهريجية في نفس الوقت .
ماهي أسباب استعصاء هذه الأنظمة الشمولية نسبيا على آليات التغيير الداخلية كالتظاهر أو التمرد أو العصيان المدني ؟أحد أهم الأسباب كانت ثقافة الطاعة , فطاعة السلطان أو الوالي مفروضة من قبل النصوص , وقد جاء في توصيف هذه الحالة عن لسان عبد الرحمن الكواكبي قوله ” العوام هم قوة المستبد وقوته , بهم عليهم يصول ويجول , يأسرهم فيتهللون لشوكته , ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقاء الحياة , ويهينهم فيثنون على رفعته , ويغري بعضهم على البعض فيفتخرون بسياسته , واذا أسرف في أموالهم يقولون كريما , واذا قتل منهم ولم يمثل يقولون رحيما ,يسوقهم الى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب , وان نقم عليهم منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة”.
ولد الاستبداد من رحم “الانصياع” الذي يعتمد على الطاعة وليس على القناعة , الطاعة عمياء بطبيعتها , تلغي عقل المطيع وتحذف ارادته التي تحتلها عندئذ ارادة الاستبداد , وبالتالي يتم اختذال العقل , الذي لامهمة له في ظل الاستبداد , اختزال العقل يعود بالمخلوق البشري الى حالته الحيوانية , التي تتمثل بممارسته لغرائزه والحفاظ على وجوده الفيزيائي , الذي تضمنه قناة الهضم, انه مخلوق المعلف ,فالمخلوق البدائي يتحول الى مايشبه القناة , حيث يدخل العلف من جهة وتخرج الفضلات من جهة أخرى ,على المجتمع في هذه الحالة تحمل عددا متزايدا من الطفيليات المستهلة والغير منتجة , ومن يسير في هذا الطريق طوعا أو قسرا سيصل الى العدم والاندثار , انها حتمية لامناص منها !.
من الأسباب المهمة تشييئ الانسان , مما يسهل للطغاة البطش والفتك به , لاقيمة تذكر للانسان , انه بقيمة الشيئ التافه الرخيص,…خسارة الانسان تحت التعذيب مثلا هي خسارة للأشياء , وهكذا تصبح قيمة الرصاصة التي تخترق رأس الانسان اعلى من قيمة الانسان .
من أهم ميزات الطغاة العرب , ميزة التوحش والحيونة مع انعدام أي سقف أخلاقي , الفتك بالبشر ضرورة أمنية , استسهال رجم الزانية كاستسهال رجم المعارض او المتمرد , لذلك يتردد البعض في تعريض حياتهم للخطر من أجل وطن ليس بالوطن , من أجل سجن كبير,من أجل حديقة حيوانات بحجم الوطن .
الانسان السوري متهم ولاديا, أي فورا بعد ولادته, وعليه في مابقي من حياته عبادة اله الأرض والتملق له الى جانب القناعة بممارسة الانصياع والطاعة , الانسان السوري يولد ويموت في نفس اللحظة .
لايعرف التاريخ الخلافي العربي والعثماني ثورة شعبية واحدة , بين ١٩٢٠ و١٩٣٠ كانت هناك في سوريا عدة ثورات على الانتداب الفرنسي , حتى قبل التعرف على خصائص هذا الانتداب, من الصعب ممارسة العصيان على جمال باشا السفاح ,الأمر بالنسبة لديغول آخر ! ديغول لايخوزق كجمال باشا السفاح .
هناك خللا كبيرا في ادراك العموم لمفهوم الدولة والسلطة , فالدولة وجدت لتبقى , أما السلطة فوجدت لتزول , بؤس هذه الشعوب يتمثل في العكس , االسلطة وجدت لتبقى بينما لامانع من زوال الدولة , وحتى ولو بقيت السلطة بدون دولة , وجدت السلطة لخدمة الدولة , بينما تعتبر هذه الشعوب البائسة الدولة خادمة للسلطة, الدين وجد لخدمة الانسان , بينما تعتبر هذه الشعوب وجود الانسان لخدمة الدين ,السلطة تابعة للدولة , بينما يعتبر العموم الدولة تابعة للسلطة ,انها دولة السلطة وليست سلطة الدولة .