سمير صادق :
يخضع التاريخ وصنعاته الى آليات متعددة ,الانتماء هو منتج من منتجات صناعة التاريخ , هكذا كان الأمر في أوائل القرن العشرين , فبعد أن تململت شعوب هذه المنطقة من الاستعمار العثماني ,ونجح ابعاد هذا الاستعمار بمساعدة الحلفاء , جرى البحث عن هوية جديدة لهذه الشعوب لخلافة الهوية العثمانية , المنتج الجديد كان الهوية العربية القومية الى جانب الهوية الدينية , التي لم تكن راغبة في التخلي عن الهوية الخلافية العثمانية , بعد عام ١٩٢٨ أراد اخونجية سيد قطب كعادتهم احياء القديم لقصورهم في صناعة الجديد … لذا العودة الى الخلافة كانت الخيار والشعار.
بعد الحرب العالمية الأولى انتصر القوميون العر ب وانتصرت هويتهم العروبية معهم على العثمانيين الأتراك وعلى التيار الديني العربي , الذي أراد بقاء العثمانيين (مفهوم الاستكانة) في البلاد , بعد عام ١٩٣٠ تغيرت الأحلاف , وقام حلف تجلى بدمج القومية العربية مع الهوية الدينية , وبهذا المزيج بين الفكر القومي والفكر الديني تفاعلت الشعوب وتطورت وتأرجحت بين العروبة وبين الدين تارة بشكل تقارب بينهما ,وتارة بشكل تحارب , وذلك على مدى قرن كامل من الزمن , النتيجة كانت نهاية الكيانات التي سميت دولا واستيطان الخراب .
ليس من الصعب رصد مسببات الخراب والتعرف عليها , السياسة القاصرة كانت من قاد كيانات الدول وصنع سياستها وحدد أهدافها وطرق الوصول الى الأهداف , ولما كانت الهوية او الانتماء أمر للتوجه عمليا , وليس أمرا رمزيا , لذا توجه العروبيون للعمل من من أجل الوحدة العربية , وممارسة التعريب القسري , مما قاد الى ولادة العديد من المشاكل , مثل التجزئة , التي استعصت على الحل وبالنتيجة كان الفشل والاندثار , الذي دفع فئات عديدة من هذه الشعوب للبحث عن انتماء جديد وهوية جديدة , وذلك بعد ثبات عدم صلاحية الانتماء القديم والهوية القديمة .
الثقافة القطرية كانت الجديد الواعد بمستقبل أفضل , لذا أراد البعض لسوريا أن تكون سورية بالدرجة الأولى , وليس عربية بالدرجة الأولى , هنا كان من الطبيعي أن يحتدم الخلاف بين القطريين السوريين وبين الحلف الديني -القومي العروبي , فنقاط الخلاف عديدة وتشمل كل جوانب الحياة تقريبا,
لم تعد الهوية القومية العربية خيارا بسبب فشلها, والفشل قاد الى خيار الهوية السورية , التي رأت الوحدة في التعددية , وكرست الاختلاف كظاهرة طبيعية , وتنكرت لكون الخلاف هو نتيجة ومحصول للاختلاف , كل ذلك كان من طبيعة الشعب السوري قبل ١٤٠٠ سنة … التعددية كانت عصية على التجاهل والحذف , انعكست التعددية على على طبائع الناس , فعلى الطبائع أن تعكس الطبيعة وتنسجم معها , لا أن تحاول قسر التعددية ومحاولة استبدالها بوحدانية مضادة لواقع البلاد الانساني البشري .
فشل الفكر القومي العربي على عنصريته , التي ساهمت بشكل رئيسي في عملية تفتيت البلاد وولادة النزعات الانفصالية , التي لاوجود لما هو أكثرحتمية منها , أعجب من تعجب البعض من ولادة الظاهرة الانفصالية في ظل جهود العروبية التجنيسية المؤسسة على تعريب الغير , فكل محاولة لهيمنة هوية جزئية واعتبارها هوية اساسية سيقود الى التمزيق , ثم أنه لاعجب من تطور القسر العروبي -الديني الى ديكتاتورية , اذ أن القسر هو ترجمة للفرض , ولا وجود لمن يفرض سوى الديكتاتورية المؤسسة على الشيخ والجنرال , ولد التفتت من رحم الفرض وولدت الديكتاتورية من رحم الفرض ايضا ,تنكص الفكر القومي العنصري الى فقاسة لانتاج التمزق والديكتاتورية, التي حاولت بعض الفئات الابتعاد عنها , عن طريق الانفصال عن الديكتاتورية والعنصرية وليس عن الوطن مبدئيا,الذي تجسد للأسف بشخص الديكتاتور وبالعنصرية التعريبية الدينية .
ولدت الحلقة المعيبة , التي دمرت البلاد من التماهي بين الديكتاتور والعنصرية والوطن , التدمير والخراب والحرب كان النتيجة الحتمية للديكتاتورية العنصرية , التي تأسست على العديد من المفاهيم , منها مفهوم الأمجاد , التي لم تكن أمجاد , ثم مفهوم الغلبة الغالبة , ومفهوم البعث من جديد ثم اللغة الواحدة والدين الواحد وتحقيق وتحقيق الأحلام الواحدة وغير ذلك .
الجامع المشترك كان ,شئنا أم أبينا, التعدد والاختلاف , وهذا يعني أن الاستظلال تحت المظلة العروبية – الدينية سيترافق حتما مع الاجبار والقسر , بعكس اعتماد الهوية السورية كهوية جامعة , الذي لايتطلب ممارسة العنف ولا يتطلب القسر والاجبار , تستقيم الهوية السورية الجامعة ,مع المساواة ولا يتطلب الانتماء اليها أي شكل من أشكال التمييز بين السوريين , وهل سيعترض سوري واحد على توصيفه بأنه سوري انتماء وهوية ؟ , بينما سيكون هناك اعتراض على الانتماء العروبي أو المذهبي الفاشل من قبل أكثر من سوري , أي من قبل فئات شعبية سورية عديدة .
ادعاء البعض بأن الهوية الجامعة يجب أن تكون هوية الأكثرية الدينية , هو عبارة عن ترويج وتحضير لحالة لايمكن لها الا ان تكون عنفية قسرية جبرية , لادين للوطن ولا قومية سوى القومية المرتبطة مع تاريخ البلاد , المؤسس على التعددية والاختلاف في ظل هوية تاريخية تمثل الهوية العليا لكل السوريين , التي لا تتنافس مع الهويات الجزئية , تمثل الهوية السورية الجامعة اعتلاءا حضاريا , ساهم بشكل رائع في ارتقاء البشرية الى درجات أسمى وأفضل , الهوية السورية ليست معرضة للانتقادات التي وجهت الى الهوية العربية أو الدينية , الهوية السورية ليست عنصرية والهوية السورية التاريخية أخلاقية , اذ لم يغزوا السوريون بلاد غيرهم ولم يسرقوا خيرات الآخرين ولم يستعمروهم ويستبدوا بهم , انه من الأرقى انسانيا أن تكون مظلوما من أن تكون ظالما , أن تكون مسروقا من أن تكون سارقا , أن تعطي أكثر من مما تأخذ , ان تتماهى بالحرف ,بدلا من التماهي بالسيف ,شتان بين السيف والحرف , فالسوريون شعب الحرف , ولا يمكن للحرف أن يتحول الى سيف ! الا اذا تحول الانسان قبل ذلك الى حيوان .
