مها بيطار :
يتدخل الدين يتدخل في الشخص ووجوده وسلوكه وممارساته, وحتى في علاقة الرجل بالمرأة , وفي تنظيم علاقات الزواج والطلاق , وفي طريقة المأكل والمشرب والملبس ,باختصار, يتعامل الدين مع الناس على أنهم أدوات, أشياء, يمكن تشكيلهم وصياغتهم كيفما يريد الدين , أي إنه يتعامل معهم على أنهم “قاصرون” ,وبحاجة إلى إعادة إنتاج وعي خارجي …خارج ارادتهم وتطلعاتهم ,وعي مستورد يخلصهم من محنة القصور الذاتي, بمعنى أنهم ناقصوا التكوين العقلي والنفسي, ويجب اعادة تشكيلهم وفق رؤيته, ليكونوا على مقاسه ووفق مضامين تصوراته ,خاصة نصوصه ,ليس هذا فحسب , وإنما يفتح لهم خط اتصال مباشر مع السماء, لتأمين راحتهم الأبدية في مكان مملوء بالأسرار والطقوس والنسوان , لذا يتعلقون بالحياة ما بعد الموت بهدف ايصالهم إلى الخلود.
يصادر الدين المجال العام وخصوصية الفرد وحريته , ويضعها في إطار علاقات عامة,ترتبط بنهج الدين وتصوراته , مما يقود الى خلق مجموعات نمطية ,متجانسة ومستلبة ,منفصلة ومنغلقة عن شروط زمانها ومكانها , لذا يتعذر على الأفكار الأخرى الرادفة او الوافدة اختراق جدار الدين أو تفكيك نصوصه التاريخية المعبأة بكتل كبيرة من المصالح والغايات والأهداف , بشكل عام ومختصر يمكن القول بأن ثقافة الدين الشخصي لاتنتج سوى الأشخاص أي مجموعة الأشخاص , وليس أشخاص في المجموعة , وهذا هو النقيض من التشكيلة البشرية الضرورية للحياة الاجتماعية (مجتمع), حياة التكافل والتضامن والعقد الاجتماعي , لاتسمح ثقافة الدين اقامة ماهو أرقى من القبيلة أو العشيرة .
لانهاية للتعبأة المفهومية القائمة على الأوامر والنواهي , ثم التهديد والوعيد وممارسة الارهاب والترهيب من النار , ليتحول الانسان الى خائف ومضطرب ومطارد من الجن والشياطين , وبذلك يتم تليينه الى مجرد الشيئ “الهلامي” , قطعةً يمكن قولبتها أو لفها وبرمها كما يشاء الدين , قطعة لاقوام لها ولا شخصية ولا شكل .
انفرد الدين باحتلال واحتكار المجال العام في القرون الوسطى,بعد أن قضى على عصر الآلهة المتعددة الغني بالقيم الإنسانية غير المؤدلجة وبالأفكار المنفتحة, والمليء بحقول الفلسفة والبحث العلمي ,والنظرة النقدية إلى الانسان والكون, كانت حضارتي وادي النيل ووادي الرافدين من أقدم وأرقى الحضارات البشرية ,التي نشلأت وتطورة في ظل التعددية الالهية الوثنية , والتي لو تكن عائقا أمام التطور العملاق آنذاك , لقد فشلت فكرة التوحيد , التي قام بها الفرعون أخناتون , ولم يكن الانتقال من تعدد الآلهة الى التوحيد موفقا ,يتآكل التوحيد في هذا العصر , والبديل ليس تعدد الآلهة , انما الغاء الآلهة , واقامة الحرية الخادمة للانسان , يحق للانسان ان يعتقد كما يشاء , ولا يحق لأاي كان فرض اي عقيدة على غيره .
.
