ميرا البيطار :
لطالما تأخر الانسان العربي في كل المجالات , ولطالما لايمكن القول بأن الانسان العربي متأخر عقليا وولاديا , لذا يمكن القول بأن عقله معاق , والاعاقة مؤسسة على حصار هذا العقل , مما منع هذا العقل من التفتح والانفتاح ,السؤال العملي هو من يحاصر هذا العقل ويمنعه من التفتح والانفتاح ؟
لاشك بأن هذا العقل لم يعاق وبالتالي يتعطل بسبب العلم (العلمية) وليس بسبب العلمانية , التي وفرت للعقل فضاء رحبا , كما هو الحال في اكثر من مئة دولة في العالم, لم يعاق العقل ويتعطل بسبب القوانين المدنية , أو بسبب احترام حقوق الانسان ’ لم يعاق العقل العربي بسبب محاولة المجتمع ممارسة العدالة الاجتماعية , ومحاولة انصاف المرأة والاستفادة من نصف المجتمع وافادة نصف المجتمع , باختصار يمكن القول بأن حصار العقل وحتى اغتياله تم ويتم على يد أهل الحل والربط , اي على يد السلطة المتمثلة بالحاكم مدنيا وفي اغلب الحالات عسكريا ديكتاتوريا وبالحاكم دينيا , أي على يد النصوص وعلى يد من يروج للنصوص ويعطيها المعاني والدلالات , التي يظن بأن النصوص تقدمها .انه الفقه على سبيل المثال .
لا عجب في القول ان الحصار تم على يد الحاكم المدني العسكري , ذلك لأن مصلحته الشخصية تتطلب تجميد العقل , فالعقل المنفتح خطر عليه , والأمر مشابه بما يخص السلطة الدينية المتحالفة مع سلطة العسكر المدنية , هذا الأمر ملاحظ تاريخيا , فقولبة العقل العربي باتجاه العجز ليس بالأمر الجديد , وموضوع الترويج وممارسة الطاعة والانصياع والخضوع والركوع ليس بالجديد , ثم أن مناعة التفقيه تجاه الضغوط والمؤثرات الخارجية مثل مبادئ حقوق الانسان ليست بالجديدة , تلك المناعة التي انهارت ولو جزئيا أمام مبادئ حقوق الانسان , على سبيل المثال تمكنت منظومة حقوق الانسان من ارغام العديد من الدول العربية على الغاء الرق , ولكن منظومة حقوق الانسان لم تتمكن من صيانة العلم والتعليم في هذه المناطق من العبث الخرافي بها , حتى باستخدام الوسائل القاسية مثل التهديد بعدم الاعتراف بالشهادات الصادرة عن المؤسسات التعليمية لهذه الدول , لقد تم انذار سوريا وتم انذار تركيا بهذا الخصوص,
تعرض العقل العربي المشابه من حيث البنية لعقول بقية البشر , للعديد من التأثيرات , التي غيرت من طبيعيته وتشابهه مع عقول بقية البشر , واكتسب هوية فكرية وثقافية -دينية جديدة , لخصها الجابري في كتابه بنية العقل العربي بقوله “العقل العربي هو جملة المبادئ والقواعد , التي قدمتها الثقافة العربية -الاسلامية للمنتمين اليها , كأساس لاكتساب المعرفة وفرضها عليهم “كنظام معرفي “, أي كجملة من المفاهيم والاجراءات التي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية ” , اي أن بنية العقل العربي المكتسبة مطابقة للثقافة العربية -الاسلامية , مما يعني بأنه من غير الممكن للعقل العربي ان يتغير , بدون تغيير الثقافة , التي قولبت هذا العقل بالقالب الذي نراه ونلمسه ونشعر به الآن , لابد من ثقافة جديدة سليمة تحل محل الثقافة المريضة , لابد من القطيعة مع المرض المتمثل باليقينات الخرافية وبالقداسة , لابد من تحريك ركود المستنقع , الذي استمر وجوده بدون تغيير يذكر من الأجداد الى الأحفاد , والممثل الأكبر للجمود الآسن كان الدين والتدين , الذي يفخر بثباته(ثوابت دينية) , وعدم قدرته او ارادته تطوير نفسه لكي ينسجم ويستقيم مع العصر ..
انها أزمة , أزمة مفاهيم وقيم , ولا شك بأن التغيير المنتظر والمأمول سيترافق مع خضخضة ومع نوع من الحيرة والضياع , ولكن هل هناك من بديل للتطوير والتغيير , يجب على الأزمة أن تتبخر بأي شكل من الأشكال وبالرغم من المقاومة المنتظرة من قبل الدينيون , الذين لايريدون فكرا جديدا اي لايريدون “زندقة”, لايريدون ما يهز رموزهم المقدسة ومعجزاتهم الخرافية الخرقاء , يريدون البقاء كقطيع مؤمن حتى في الانحطاط والتأخر وانتهاك حرمة وكرامة الانسان , يريدون التوحيد والتجانس القسري القاتل للابداع والمعاكس لقوانين الطبيعة , ليس الرقي من اهتماماتهم , التي تتمركز خارج هذا الكون , الزهد في الكون هو الشعار والهدف والوسيلة للوصول الى النسوان وغير ذلك من متاع الجنة , هكذا يعتقدون وهكذا يخططون لموتهم بعد الحياة .
لابد من القطيعة مع الثقافة التر اثية , بالقطيعة يمكن للفكر الحداثي ان يتوضع في المكان الشاغر , بدون القطيعة سيستمر الفكر المريض في مقاومته للحداثة , القطيعة تعني قراءة الفاتحة عل الفكر الديني والديكتاتوري المقدس , سوف لن يكون بالامكان نشر الحداثة تحت اشراف الاصولية الديكتاتورية السياسية والفكر الأصولي الديني …
Post Views: 759