جاهلية مستمرة ,حياة اللامعنى …
ممدوح بيطار:
نعيش حالة التردي منذ قرون وبتزايد مستمر , وهذا مادفع البعض للتعبير عن هذه الحالة بعبارة ” لامعنى للحياة وقد يكون الموت أفضل منها ” , هذه العبارة شعبوية , ومن يتفوه بها ليس ذلك الفيلسوف أو الباحث الاجتماعي ,انه الشخص العادي جدا , بساطة التعبير لاتنفي عمق مدلولاته , فعلا اننا نعيش اللامعنى في كل أشكاله , اللامعنى يهيمن على كل شيئ , حتى الأعياد فقدت بعدها الروحي والاجتماعي , وتحولت الى نشاط مادي لايرقى بالنفس روحيا ,
اللامعنى متفشي في مختلف جوانب الثقافة , تفشي مؤسس على التفاهة والركود , وبالنتيجة هناك ما يسمى الجاهلية الحديثة , التي كشرت عن انيابها وسلبت الانسان معنى الحياة , وكأن الانسان الذي ولد يوم أمس قد بلغ من العمر هذا اليوم ١٤٠٠ سنة , ولد ميتا , ولم يدرك موته , انه حيويا ليس سوى جثة متحركة .
الجاهلية مفهوم فرآني , جوهره التعددية , أي تعدد الآلهة قبل ولادة التوحيد الاسلامي , الا أن مفهوم الجاهلية يشمل عمليا طيفا أكبر من الأوجه , ولا يقتصر الأمر على عدم وجود التوحيد الالهي قبل الاسلام في الجزيرة العربية , تمثل الجاهلية ومفاهيمها داءا عضالا ,كان بامكان احياء الفكر القومي العربي الحد منه أو حتى علاجه , فالفكر القومي عموما أرقى من الفكر القبلي العشائري , ولكن للأسف سرعان ما أصيب هذه الفكر بالتجرثم من قبل الجاهلية والعشائرية ,وتحولت القومية العربية الى الممارسات العشائرية ولبست الجلابية والعمامة وامتلكت الحقيقة المطلقة وتبنت وضعا يشبهها بالقدر أو الحتمية , فالكفر بها ضلال , والفسق هو صفة من يخالفها , لانقد للقومية العربية , ومن ينقد يعتبر مختل عقليا أو خائن , القومية تحولت الى دين تقديسه بديهي , الدين الألهي والدين القومي واحد في تنكره للفحص والتحليل والتفكير …
لايجوز حصر الجاهلية في الحقبة التاريخية قبل الاسلام , لأن ماشهده عصر ماقبل الاسلام , من ممارسات قبلية نشاهده الآن في بلاد الأعراب …. قتل وسلب واغتصاب وسبي وبيع النساء واحتقار المرأة ثم النظم الأبوية والديكتاتوريات الممثلة لحالة القبيلة وزعيمها , أي أننا نعيش حالة الجاهلية , التي يمكن تسميتها الجاهلية الحديثة,.
ماهو سبب ذلك اللجوء الى نسخة للجاهلية مطابقة لنسخة ماقبل الاسلام التي استمرت في الاسلام وعبره ؟؟؟ وبها تتجلى ثقافة التخلف والجهل والتعصب , ولماذا لانتمكن من معالجة أسباب هذا التردي , الذي يتجدد بأشكال أقبح من الماضي ؟؟؟
لا يمكن القول بأنه لهذا القصور علاقة مع الكروموزومات, فالانسان العربي يعمل وينتج ويخترع كغيره , عند تواجده في بيئة تحترمة كالبيئة الأوروبية , وهل لاسرائيل طبيعة مختلفة عن طبيعة مصر أو الأردن ؟ , هل الفقر هو السبب ؟ , لايمكن ! لأن الدول العربية البترولية الغنية أسوء حالا من الدول الأخرى الفقيرة بتروليا كتونس ولبنان بما يخص الجاهلية الحديثة .
هل أخطأ المؤرخون في تعريف العصور ؟؟؟؟, هناك مثلا حالة الأعراب الذين كانوا في شقاق وتناحر دائم على غنائم الحرب واقتتال مستمر لأتفه الأسباب , مثل حرب البسوس ,ثم داحس والغبراء ثم المجازر التي لم تتوقف الى يومنا هذا عبر عصر صدر الاسلام ثم العصر الأموي والعباسي ثم العثماني الى يومنا هذا ,
تعود استمرارية الجاهلية البدوية الى العديد من المنهجيات المعلنة كهدف يتم التفاخر به , فما هو هدف البعث وما هي أهداف الاسلام السياسي ؟, وماهو هدف الجهود التي تبذل في التربية وفي المدارس الموازية أي مدارس التلقين الشفهي , الذي يمارسه المشايخ من على المنابر أو من خلال الفضائيات , يبشرون بالتربية الخاطئة وبقيم التخلف والتمييز العرقي الجنسي والعديد من المشاريع التي يمكن ويجب ادراجها تحت عنوان الجاهلية الحديثة , هؤلاء يوظفون النص الديني والأحاديث في الترويج للتأخرية والماضوية المستمرة من عصر جاهلية ما قبل الاسلام الى عصر جاهلية مابعد الاسلام.
اننا أزاء مشكلة تتعلق بفقدان الحياة للمعنى , والأصل في الحياة أن يكون لها جوهر ومعنى أي أن تكون خلاقة وتطويرية , والتطوير هو سير الى الأمام ,يختلف عن التقهقر الذي هو سير الى الوراء , الجاهلية هي مسيرة حتمية الى الوراء , اننا نعيش في أزمة قوامها الجهل والأمية والعنف والدمار والخراب والمرض والجوع والعصبيات والمذهبيات التي نجدها في كافة الدول العربية الاسلامية , ذلك يعود الى استمرارية الجاهلية البدوية القديمة في الغصر الحديث , ولا فرق من حيث الممارسة والمضمون بين الجاهليتين , فالمنبع واحد هو جاهلية ماقبل الاسلام البدوية , التي تهيمن الآن على كافة جوانب الحياة والتي سيطرت حتى على الاسلام وصبغت جوانب عديدة منه بصبغتها ,
لايمكن علاج الجاهلية الحديثة الا بتوفر ارادة التطوير والعلمية والعلمانية القادرة على احتضان دولة الحداثة , هنا لابد من التنويه الى البعض الذين يرون في الحداثة حسب النموذج الغربي العلماني جاهلية حديثة ,وبالتالي يرون الدواء وكأنه الداء , هذا التفكير مختل ومضطرب ولا يستحق سوى الرفض
,
Post Views: 454