ممدوح بيطار :
هناك فرق كبير بين من يعتبر الانتصار في الحرب بحد ذاته قيمة طوباوية وتحقيقا لكل الأهداف والأحلام , وبين من يطور الانتصار في الحرب الى تقدم حضاري أي الى نجاح , أحد معالم هذا التقدم الحضاري هو احلال النزعة السلمية مكان النزعة الحربية, ففي أوروبا على سبيل المثال ولدت بعد الحرب العالمية الثانية نزعة شعبية سلمية وقفت في طريق مابقي من نزعات عسكرية , وفي العديد من الحالات تمكنت هذه النزعة السلمية من احباط العديد من المشاريع العسكرية , مثل مشروع تنصيب الصواريخ الأمريكية في أوروبا وخاصة في ألمانيا في عهد المستشار شميت , والتي قادت الى استقالته , اضافة الى ذلك فهم الأوروبيون قيمة السلم في أوروبا وادركوا اخطائهم الماضية واعترفوا بها ,فمن الصعب العثور على ألماني يمجد قيصر الحرب العالمية الأولى أو فوهرر الحرب العالمية الثانية أو يمجد جنرالات الحرب , ولو لم ينقلب الجنرال ديغول على نفسه والى عكسه , لما بقي رئيسا لفرنسا لعدة سنوات .
نتيجة لعدم التوقف عند الانتصار أو الهزيمة الحربية , تحولت أوروبا بمن انهزم ومن انتصر عسكريا الى معيار للتقدم والرقي والنمو , أي الى النجاح ,لافرق في نجاح أطراف الحرب العالمية الثانبة , بين من انتصر وبين من انهزم , لافرق بين اليابان وأمريكا وبين المانيا وفرنسا , لابل يمكن القول بأن وضع الدول التي انهزمت في هذه الحرب حاليا أصبح أفضل من وضع الدول التي انتصرت في الحرب , أي أنه لاعلاقة مباشرة بين الانتصار أو الهزيمة في الحرب مع التطور الى النجاح .
بالمقابل , لاتزال ثقافة الحرب والتحارب والانتصار مهيمنه على عقول العرب , ولا يزال اعتبار النصر الحربي وسيلة وبحد ذاته هدفا نهائيا , لايزال هناك من يعتقد من الشعوب العربية بأن الانتصار العسكري هو مفتاح النجاة ووسيلة التقدم ,هنا يجب السؤال عن أسباب ذلك الشغف العربي بممارسة الحروب والتحارب , الذي لم يتوقف عمليا في القرون الاربع عشر الأخيرة .
ادعي بأن اقطاعية الريعية, التي انتجها اقتصاد المغازي العسكري الديني, الذي وصل سقفه التاريخي الاجتماعي مع بداية القرن الخامس الهجري , ثم بروز الاجتياح البدوي للمشرق والمغرب كان المسبب , وبواسطته ترسخت وسادت قيم القوة والتغلب والقهر البدوي العصبي , ثم السطو والمصادرة لأرض الغير , وجباية الأموال بشكل استبدادي عنيف من خلال ولاة الخليفة, ومثلنا موسى بن نصير عامل المغرب والأندلس ويزيد بن أبي مسلم وعبيد الله بن الحبحاب, … كلهم مارسو تسلطا فظيعا لتأمين موارد مالية للخلافة , تجاوزت السياسة الجبائية المالية المفروضة ,كل ذلك جعل العامة تعاني من الظلم والفاقة والصعوبات في تأمين ضرورات الحياة , اكتفاء الخلافة والولاة بالجباية قاد الى انعدام دافع الاهتمام بالقطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة , وفقدان الأمن والأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي, انتشرت وهيمنت القيم الأخلاقية للروح البدوية, أي قيم العنف متمثلة في التوحش والتغلب والبأس والافتراس والرجولة الذكورية وانتشار مفاهم الحق البدوي المؤسس للفساد , .الحرب والغزو كان مهنة البدوي , التي اعتاش منها , فالغنائم كانت السب الأول للفتوحات , ولا يمكن لنشر الاسلام أن يلعب أي دور أساسي , لأن المحاربين لم يكونوا مسلمين يقينا وانتماء ,انما شكليا , فالفترة بين الفتوحات وولادة الأسلام كانت قصيرة , بحيث يمكن القول ان المسلم كان من نطق بالشهادتين فقط , ولا شرط أن يعرف شيئا عن الاسلام , ينطق بالشهادتين ويمارس الطاعة والانصياع, وهذا هو المطلوب لا أكثر .
اندفع المسلمون في فتوحاتهم واحتلالاتهم الى مناطق قليلة السكان كشمال أفريقيا , وتجنبوا مناطق مكتظة بالسكان , الا يحتاج هؤلاء الى الهداية ؟؟؟, أو ان أمر الهداية كان ثانوي !, وبالواقع كان ثانوي جدا , باختصار يمكن القول على ان الغنائم كانت السبب الرئيسي للانتصار في الفتوحات العربية على المدى القصير والمتوسط, وكانت السبب الرئيسي أيضا في فشل الفتوحات في انجاح العرب المسلمين في الحياة , انه الفرق الشاسع بين الانتصاروالنجاح , بالطبع عاد ريع الغنائم إلى المقاتلين والقادة بما فيهم الخليفة, وهذا كان السبب الرئيسي في الرغبة بالاندفاع السريع للحروب وتجنب المناطق الصعبة المكتظة بالسكان , انها مهنة اكتساب الرزق عن طريق الحرب , ومن أين ستأتي الرزقة في حالة السلام , عند شعوب لم تعرف الزراعة أو الصناعة , وبالتالي العيش من الانتاج وليس من السطو والسرقة .
لقد أفسدت الغنائم بما فيها الغنائم البشرية . سبايا .. الشعوب , السبايا والجواري أفسدوا الأسرة , وحتى انه يمكن اعتبار نفط هذا العصر غنيمة , أضرارها على المدى البعيد ستفوق منافعها , لطالما كان هناك اقتصاد ريعي (غنائم) , لم تكن هناك حاجة لاقتصاد انتاجي , كل ذلك جعل من قيام مجتمع مدني أمرا مستحيلا . المقدرة على اقامة مجتمعا مدنيا هو معيار النجاح , وليس الانتصار في المعارك ……