سمير صادق, ن. عبود :
يطالب البعض, وأظنهم كثيرون في هذه البلاد , بالوحدة الوطنية, وتوحيد الجهود من أجل تجاوز الأزمة والنهوض بالوطن الجريح أو الميت من كثرة الجروح والتجريح ,هناك تباين شاسع بين مايريده معظم المطالبون بالوحدة الوطنية , وبين ما حققوه ؟ حقيقة لانرى في هذا الوطن سوى الوهن والتردي والتأخر والفشل ,
أولا يجب التأكيد على أنه لما تسمى للوحدة الوطنية مستويات مختلفة , والمستوى الذي يمكن له أن يكون قاسما مشتركا بين الجميع هو ارادة الخير والتقدم للبلاد , الوحدة الوطنية تعني وحدة الانتماء للوطن , فلا وحدة وطنية مع روافد جيش محمد التركي -العثماني من المنتحلين للهوية السورية , الوحدة الوطنية هي وحدة اجتماعية , اذ لايمكن للمرأة أن تتحد مع من يعتبرها ناقصة عقل ودين …الوحدة الوطنية تعني المساواة بين فئات الشعب مهما كبرت الفئة أو صغرت , يجب أن يكون رئيس الدولة سوري !!! وهل كونه مسلم من مستلزمات الوحدة الوطنية ؟؟ , هل الدولة مشيخة أو دار افتاء….؟؟؟ .
لاوحدة وطنية بخصوص الرؤية , ولا وحدة وطنية بخصوص الموقف , ولا ادراك المشاكل, ولا حتى علاجها!,هذه المستويات هي مستويات الاختلاف الخلاق , والمحافظة على فوائد وايجابيات الاختلاف على هذا المستويات هوضرورة حياتية , ذلك لأن الفكر الموحد عقيم (التوحيد), والموقف الموحد هو بحد ذاته ديكتاتورية , أو أنه يسمح للديكتاتورية بركوبه.
أعجب هنا من خلفية الدعوات اليتيمة لتوحيد الصفوف ونبذ الخلافات والتهديد بالفتنة , اذ لاوجود لشبيه لها في المجتمعات التي تقدمت وحلت مشاكلها وأزماتها بنفسها ,التقدم هو جزئيا ترجمة لتجاوز المحن والأزمات وحلها , والمجتمعات المتقدمة تستطيع حل مشاكلها خاصة وحصرا بوجود الاختلاف الخلاق والمقتدر على ابتكار أفضل الحلول لأسوء المشاكل.
عدم مقدرتنا على الحوار والتفاعل المنتج مع الاختلاف , هو المحفز للمطالبة بالغاء الاختلاف لتحقيق الوحدة الوطنية المنشودة , ولكن الاختلاف هو الطبيعي , وتحول الاختلاف الى خلاف, يعود الى القصور في التعامل والتفاعل (الحوار والنقاش) مع الغير , القصور في الحوار والنقاش الموضوعي العلمي , والمشكلة لاتعود الى الاختلاف وتعدد وجهات النظر ,.
لايمت مفهوم الوحدة الوطنية الى التجانس بأي صلة , والوحدة الوطنية لاتقوم على مايجمع الناس فحسب , انما على مايميزهم عن بعضهم البعض ,تمايز الناس اي اختلافهم عن بعضهم البعض هو وحدة في الاختلاف , وليس مصدرا للخلاف , يتحول الاختلاف الى خلاف في غياب ثقافة الحوار والتفاعل , الغاء الاختلاف لتحقيق الوحدة الوطنية ليس سوى ترجمة لالغاء الآخر , وهل هناك من فائدة في الغاء الآخر ؟؟ .. عندما نتعلم اساليب الحوار الصحيحة والتعامل المنتج مع الغير في اطار الاختلاف ,نكون قد حققنا الوحدة الوطنية , فالجهل هو عدو الوحدة الوطنية الرئيسي .
تحول مفهوم الوحدة الوطنية الطوباوي الى بازار للاستغلال والاحتيال والتقزيم والتشويه والتكاذب , ثم الانتحال والمزايدة والنفاق , ومصدرا أساسيا لممارسة الالغاء والاقصاء, فمن أجل وهم الوحدة الوطنية الضبابية , كانت هناك ممارسات لاعلاقة لها بخير البلاد , لقد تم عن طريق هذه الدعوة التأسيس الى حالة القطيع , قطيع موحد ومتحد شكلا , لاشبيه له سوى بالحالة الديكتاتورية وبالحالة الشمولية وبنفاق نتائج رائعة لاستفتاء أو انتخاب من نوع ٩٩,٩٩٪ لصالح المخلوق المروع الرائع , اعلان نتائج من هذا النوع المنحط , هو بمثابة اعلان عن وجود حالة وطنية منحطة …. استهزاء ….!هل يمكن للوحدة الوطنية أن تكون أوضح وأقوى وأثبت من وحدة ٩٩,٩٩٪ لصالح الرئيس الذي هو الوطن , بالرغم من تلك الوحدة الوطنية الرائعة بنسبة ٩٩,٩٩٪ من الشعب العظيم , أصبحنا معيارا للتشتت والغربة ولممارسة اقصاء والغاء الآخر , وحدة مطلقة تتمظهر بتشتت مطلق وبحروب مطلقة بين فئات الشعب والسلطة , وبين الشعب والشعب …. كل يحارب الجميع !!!, الا يجدر بنا التساؤل عن السر في تمكن الدول الراقيىة المتقدمة من حل مشاكلها بنجاح وبوجود ثنائية الحكومة -المعارضة , الذي تمثل تبعا لمعايير الوحدة الوطنية المروج لها , حالة انعدام الوحدة الوطنية, بمفهومها المحلي الغيبي المؤسس على خلفية “التوحيد ” الدينية وعلى العصبية , لقد تحول البعض, من حيث لايدري , الى بوق للدعوة للتوحيد المشتق من الثقافة الدينية , التي فقدت صلاحيتها ,
الداعية الوطنية الفذة , والمنظرة لعبقرية اكتشاف دواء توحيد الصفوف , وشحذ الهمم , لأجل انقاذ الوطن , والمطمئن لفاعلية تقليعة الدعوة للوحدة الوطنية الباهتة التلفيقية , والى توحيد الصفوف والجهود من أجل انقاذ البلاد , هو الانسان الببغائي الذي يعطي نصائح ليست من أجل ترقية الوطن , انما من أجل الترقية الذاتية الى مصاف فضلاء الوطن , النقد الذي يضمن رأيا آخر هو ممارسة للوحدة الوطنية , فحسب ما أعرف يقود النقد الى الترقي والتقدم , وهل الترقي والتقدم مضادا للوحدة الوطنية, التي تعني أن يشبع الجميع خبزا أيضا ., جوع البعض هو من مضادات الوحدة الوطنية , لذلك أعتبر النقد الذي يدحر الجوع , من أهم معالم الوحدة الوطنية .
أول نتيجة لهذه الدعوة كانت الغاء أو تقزيم مفهوم المعارضة السياسية , التي سقطت لكونها تعارض , ولم تشترك مع أبواق المنشدين للوحدة الوطنية .. وحدة وطنية باقامة الأحزمة حول الأكراد , وحدة وطنية مع الغلبة الغالبة ومع تعدد الزوجات ونصفية شهادة المرأة , ثم اعتبارها ناقصة عقل ودين . ؟؟, فالعرب من أكثر شعوب الدنيا حديثا عن الوحدة , ومن أكثر شعوب الدنيا شقاقا ونفاقا … من أكثر شعوب العالم حديثا وتفاخرا بالوطنية والشعب العظيم والبدوية التي لم تتوقف عن انارة طريق البشرية طوال أربع عشر قرنا .
لا تتطلب وحدة الموقف ووحدة الرأي المطلوبة أي تفاعل أو نقاش أو نقد , هنا يتم فرض الرأي ,عادة في اطار القسر وهيمنة جهة على جهة أخرى وعلى الجميع , حالة مفرزة للتأزم وبالتالي الخلاف الذي قد يتطور الى الحرب , يطالب الاسلاميون بوحدة الرأي والموقف , ويقصدون عمليا تموضع الجميع تحت مظلتهم الفكرية-السياسية , وبذلك تتحقق شروط الوحدة الوطنية اخونجيا , لسنا بعيدون عن قندهار !
