البدوية , الزعامة , مجتمع الراعي والرعية ….
ممدوح بيطار:
يختلف مفهوم الزعامة من مجتمع لآخر , من الجدوى والفائدة بحث هذا المفهوم في الاطار العربي ,لأن هذا الاطار يهمنا بالدرجة الأولى ,في الاطار العربي يمكن القول ان البنية الفكرية والمسلكية للزعامة تتمثل بغلبة وهيمنة الثقافة الرعوية البدوية على هذا المفهوم …مبدأ الراعي والرعية …أي القطيع ,
تترجم البدوية والمجتمع الرعوي مفهوم الزعامة في هذه المنطقة , تتميز البدوية الرعوية وبالتالي مفهوم الزعامة بالعديد من الخواص والمعالم , منها ومن أهمها ظاهرة الانكار وانعدام المقدرة على رؤية السلبيات , ثم قصور النقد الذاتي وتجاهل الواقع وعكسه من سيئ الى جيد بوسيلة التلفيق ثم بتمظهرات التفاخر والتكابر والغرور والانتفاخ , فالثقافة الرعوية لاتسمح تعريفا بممارسة الموضوعية , لا اعلان عن وجود الضعف ولا اعتراف بالهزيمة , ولا اعلان عن الاعتراف بالخطأ .
الرعوية, الرعية والراعي , هو الزعيم العربي , الذي لايخطئ , هو دائما على حق , فالبدوي حتى في سلبه ونهبه على حق , لأنه يسلب ما يعود له أصلا , وما يمكن لسيفه أن ينجزه في هذا المجال , البدوي وهو الزعيم العربي لاينتقد ذاتيا ولا يعتذر , لأن النقد الذاتي والاعتذار مذلة , الزعيم العربي هو كالانسان العربي وبالتالي المجتمع العربي , فالعقل الجمعي العربي , اي عقل الرعية لايختلف عن عقلية الراعي …. الراعي زعيم , والرعية هي خزان الزعماء والزعامات ومصنع لانتاجها , كلهم زعماء!!!!! , هنا اتذكر ماقاله المرحوم شكري القوتلي عن السوريين عام ١٩٥٨ ….كلهم رؤساء الجمهورية!.
يرفض العقل البدوي الرعوي أي الزعامات العربية ممارسة التحليل والتفكيك , لأن التحليل والتفكيك يسير باتجاه معاكس للقطعية البدوية , التي لاتعرف الا مصداقية السيف , الذي يفصل بين الحياة والموت , السيف هو من مستلزمات الحياة البدوية الرعوية , انه مصدر الرزق , ومن مستلزمات الزعامات , بالسيف والعنف ينهبون ويدافعون عن مسروقاتهم , وبحكم الاعتياد على ثقافة السيف يمارسون التحارب والصراعات الدامية , احيانا كرياضة وهواية , لذلك فان تمظهرات القوة وشدة البأس والتفاخر بالعنف هو من خصائص البدوية المرتشحة في حياة الحضر في هذه المجتمعات , والمسيطرة على ثقافة الحضر , بذلك تطورت الشعوب عكسيا , منطقيا يجب أن تهيمن ثقافة الحضر على الثقافة البدوية , التي ترتكز على العديد من الأسس منها معادلة اعلاء شأن الذات وخفض شأن الآخر , فمجرد وجود الآخر هو بمثابة تهديد , لذلك يجب الغاء الآخر بأي وسيلة كانت … الاقصاء وعدم الاعتراف بوجود الآخر . .
احترام البدوي لنفسه هو ترجمة لاحترام الآخر له ,واحترام الآخر له لايعني الا انصياع الآخر له , لاينبع نظام الفضيلة عند البدوي الرعوي من داخله وانما من تصور الآخرين له من خلال ثنائية شموخه -انحدارهم , البدوي لاينظر الى داخله وانما بصورته في ذهن الآخر , فالجهل الشنيع هو أن تتخفى خلف ظن الناس بك , ظن تمليه هيمنتك عليهم وخوفهم من سيفك واعتمادهم عل فتات مكرماتك …. انها صفات الزعماء العرب
لاتقتصر تمظهرات البدوية الرعوية أي الزعامة على ماذكر , الزعامة مدمنة على السيف والعنف , الذي يعتبره العقل البدوي خلاصي , أي المخلص من حالة الرداءة التي تعيش الرعية بها , حولت ذهنية الراعي-الرعية في هذه المنطقة الانسان الى مجرد “اداة” تنتظر الراعي للحصول على أجرها , الأجر هو مكرمة من الراعي , والحقوق في هذه الحالة ممنوحة وليست مكتسبة بعرق الجبين , فعرق الجبين مجاني, كرمال شوارب الراعي !!, .
حقوق المواطن مرتبطة بمكرمات الراعي , وليس بواجبات الدولة تجاه المواطن , تؤسس هذه الحالة المؤطرة بهالة العطاء الى تغيير صيغة الحقوق , من صيغة الحقوق المكتسبة الى صيغة الحقوق الممنوحة , صيغ لاتخضع لمفهوم العدالة أو القانون , صيغة توهم الخادع والمخدوع , توهم الراعي الخادع بأنه متفاني في سبيل الآخر , وتوهم المخدوع من الرعية بأنه نال حقوقه ! , التي تتمثل بارضائه , فالارضاء شيئ والحق شيئ مختلف تماما.
الحالة المؤطرة بهالة العطاء توهم للراعي بأنه يقوم بواجباته على أحسن حال , وموهمة للرعية بأنها نالت حقوقها , علاقة خادع ومخدوع , ثقافة المكرمات الممنوحة وليس الحقوق المكتسبة , ثم نريد القفز فوق القبيلة والعشيرة والطائفة الى دولة المواطنة , وبماذا علينا أن نقفذ ؟ فهل تتمكن الثقافة التي أوصلتنا الى هذا الانحطاط ان تنقذنا من الانحطاط الذي سببته وأنتجته ؟
فرض العقل البدوي الرعوي منظومة حكم لاتمت الى فلسفة الدولة بأي صلة , وحتى تصنيف ما يحكمنا ويتحكم بنا في مصنف ماقبل الدولة هو اجحاف بمفهوم ماقبل الدولة , اننا في مرحلة البدوية الرعوية , التي لايمكنها تأسيس دولة بل في أحسن الحالات قبيلة الى جانب قبائل أخرى تتصارع مع بعضها البعض وتنهب بعضها البعض , لامناص بدويا من النهب الذي نسميه فساد , والفساد ليس من صنع الراعي حصرا , انما من صنع الراعي والرعية أي من صنع البدوية.
اننا نعيش في بيئة صنعتها العقلية البدوية المتمحورة حول العنف والسيف وذهنية الراعي والرعية , هذه العقلية حولت الانسان الى مجرد “اداة” تنتظر الحصول على حقوقها من الراعي , فحقوق المواطن مرتبطة بمكرمات الراعي , وليس بواجبات الدولة تجاه المواطن , تؤسس هذه الحالة المؤطرة باطار أو هالة العطاء الى تغيير صيغة الحقوق , من صيغة الحقوق المكتسبة الى صيغة الحقوق الممنوحة , صيغ لاتخضع لمفهوم العدالة أو القانون , صيغة توهم الخادع والمخدوع , توهم الراعي الخادع بأنه متفاني في سبيل الآخر , وتوهم المخدوع من الرعية بأنه نال حقوقه ! , التي تتمثل بارضائه , الارضاء شيئ والحقوق شيئ مختلف تماما.
من يتمعن بالحالة العربية-الاسلامية يصاب بالاحباط , فالانجاز العربي الوحيد والمتقن الصنع كان التمزق , اضافة الى تصدي العرب لكل ماهو تقدمي وعلمي, هناك كيانات تراجعت من مرحلة ما قبل الدولة ووصلت الى العشيرة والقبيلة ,كل ذلك حدث في ظل ثقافة عربية اسلامية , وكل ذلك الفشل والتردي لم يمنع البعض من المطالبة بتهجين عقولنا عربيا اسلاميا , لأن هذه الثقافة تمثل حسب رأيهم نوعا من القضاء والقدر ..شئنا أم أبينا !! , المفارقة هنا لاتكمن في القدرية وفي تقبل النكبة أو النكسة أو التردي بروح مستسلمة وبالموت طوعا ودون أي مقاومة , وانما تكمن في التبشير بأن تهجين العقل أي تصنيع العقل عربيا اسلاميا سيكون المنقذ , وقد غاب عن نباهة هؤلاء ان العقل أصلا ومنذ قرون مصنع عربيا اسلاميا , ووضعنا الحالي هو من انتاج هذه العقول المصنعة عربيا-اسلاميا , لم يسقط وضعنا الحالي من السماء ولا هو من صنع الشيطان, ولا من صنع اله الكون , انه من صنعنا وصنع بدويتنا الرعوية , التي احتلت حتى مدننا وحولتنا اي بدو بدون ترحال , شوايا بدون صحراء , حضر بخيم من حجر !!!
Post Views: 514