ممدوح بيطار :
من يسير في طريق الانقراض سيصل عاجلا أم آجلا الى الانقراض , ولكن مهما بلغ الانقراض من تعمق , تبقى هناك امكانية للنهوض , والنهوض ممكن حتى من الصفر أو أدناه , لذلك فان محاولة النهوض الممكن واجب كل انسان , أولا تجاه نفسه وتجاه غيره أو بالأحرى مجتمعه , الانقراض يشمل الجميع بدون استثناء كبير , قد يحمل البعض حقائبه ويلوذ بالفرار مع ملاينه ومسروقاته ,الا أن نسبة هؤلاء قليلة , النهوض ممكن حتى ولو أخذ هؤلاء مسروقاتهم , والأفضل أن يأخذوا مسروقاتهم ويرحلوا طوعا وسلميا , لكي نتمكن من الانشغال بموضوع الاعاقة وبالتالي عكس التقهقر الى نهضة ونمو ,
عن مسببات الانقراض , هناك وجهات نظر مختلفة ومتناقضة, هناك تيار يمكن تسميته بالاتكالي , هذا التيار يحمل الخارج , وبالأخص الغرب المسؤولية عن هذا التطور السلبي بالكامل , المسؤولية تقع في المقام الأول على عاتق الآخرين , خاصة الغرب , وذنوبه في عرقلة الوحدة العربية الخلاصية , فبعد الوحدة مع موريتانا وصوماليا وجزر القمر سيأتي الفرج ويتم الخلاص من الفقر والمرض وتعسف السلطات والتجويع والأمية , وستقام المعامل لصناعة الطائرات والغواصات والصواريخ العابرة للقارات!!!!!!, الغرب يقف كعائق أمام التقدم العلمي العربي والثقافي وذلك لكي يبقى مهيمنا , وبالتالي قادرا على نهب خيرات هذه الأمة , تأخرنا من مصلحة الغرب ومن مصلحة اسرائيل ,نظمنا … انحلالنا وانحطاطنا الأخلاقي بريئ من دم هذا الصديق , أي بكلمة أخرى كان على شعوبنا أن تتقوقع باحكام وقاية من التلوث من الغرب , لكي تنجوا من الغرق في مستنقع الغرب الآسن, فهل هذا صحيح ؟؟
هذا ليس صحيح خاصة في هذا العصر , والنظرة الى الخارج ليست صحيحة , فالغرب ومظم أو كل دول العالم مسؤولة عن شعوبها , ومن المنطقي أن تسعى الدول الغربية والشرقية والشمالية والجنوبية من أجل ضمان رخاء شعوبها , هذه الدول ليست مؤسسات خيرية .. والدول تتنافس وتتزاحم من أجل تحقيق وحماية مصالحها , الغرب منافس وله مصالح , وتبعا لمصالح شعوبة يتصرف , الغرب مسؤول عن ناجاحاته في دوله , وليس مسؤولا عن عدم قدرتنا على النهوض وعن فشلنا في دولنا ,فمعظم أو حتى كل خصائصنا لاتسمح سوى بالركود …أخلاق …ثقافة عمل …اتكالية …قدرية …التنكر للموضوعية …المقدسات …. الخرافات … الحريات …ألخ , لامسؤولية للطرف الرابح عن خسارة الطرف الخاسر , نحن الطرف الخاسر لأننا الطرف الأضعف , وبالتالي نحن مسؤولون عن فشلنا , ولا مسؤولية للآخر عن هذه الفشل , ثم علينا أن نسأل , عن الفائدة في اتهام الغرب وتبرئة الذات , ماهي الجدوى من ذلك ؟ , وهل من المتوقع أن ياتي الغرب ساجدا راكعا معتذرا عن ما اقترفته يداه , الأمر عدمي ولا يتعدى كونه ثرثرة لافائدة منها .
هل فكرتم في الواقع وفي مايسمى “عدالة ” تنازع البقاء , ,وان الأنشط والأعقل والمنتج يبقى ,والكسول الخمول المهمل ينقرض, ألم تكن هذه هي القاعدة التي أثرت على الواقع البشري منذ القدم , “الرأي قبل شجاعة الشجعان ” ورأي اليوم أصبح مستندا على العقل وعلى العلم والمعرفة والابداع , وكيف ستبدعون وأنتم تؤمنون وتقتلون العقل وتقدسون وتصلون , وتمارسون التوحيد والتجانس القسري ثم الولاء والبراء وتتنكرون للأوطان وللعقل وتقدموا النص والحديث عليه , وتمنعون الاجتهاد والتأويل , وتجلسون على ٦٠٠ صفحة من كتاب عمره عشرات القرون , وبه تعتقدون أنكم وجدتم العلوم بأكملها من علوم الذرة الى علوم المجرة , الى الكيمياء والفيزياء وعلوم الأحياء الى اساليب القتال وضرورات القتل والسبي وغنائم الحرب, موسوعة عملاقة الا أنها لاتتضمن مفردة ” حب” والحب هو ترياق الحياة, اثرياء بالكره وفقراء معدومين بالحب .
أظن بأن العيش في الغرب هو حلم العديد من الشرقيات والشرقيين , هربتم من ذاتكم الشرقي المتمثل بفسادكم وعنفكم وانفصامكم وغيبيتكم , وقام الغرب باستقبالكم وعاملكم كما يتعامل مع أفراد شعبه او شعوبه بالمساواة , ماذا فعلتم ؟ وهل حاولتم ان تقلدوا الغرب الناجح ؟ أو حاولتم تطبيع الغرب بطباعكم ؟ , استبحتم الشوارع لممارسة الصلاة , وأسستم مدارس تحفيظ القرآن وتاجرتم بالمخدرات , ثم زورتم وحاولتم ممارسة الغش بخصوص المساعات الاجتماعية , الغرب يلغي الكنائس ويحولها الى متاحف او مراقص وأنتم تبنون المساجد , هل هربتم الى الغرب من أجل أن تعيشوا بحرية وكرامة وبدون استبداد واستغلال , أو أنكم هربتم الى الغرب بقصد تحويله الى شرق وبقصد نشر الاسلام, وحتى في هذا المجال فشلتم , والآن بدأت عودتكم من حيث اتيتم.
ماذكر لايمثل سوى بعض جوانب الاعاقة الحضارية في هذه المنطقة , تحرير الأرض كان شغل الشعوب والدول الرئيسي في القرن الماضي, لاتنكر لتحرير الأرض , الا أن تحرير الانسان وتحرير عقله , بما فيه العقل المجتمعي , المعرض الى القهر الداخلي الطوعي كالالتزام بالايمان والقطعية والمطلقية وعدم الموضوعية , ثم الابتعاد عن التراث المعيق العتيق وازالة القداسة عنه , وممارسة الصراحة مع الذات والاعتراف بمسؤوليتها عن الاعاقة الحضارية , أي بشكل عام العمل على الانسان , هو الطريق الذي يمكن هذه الشعوب من التقدم , دون أي أمل بالتمكن من مواكبة الشعوب الأخرى في تقدمها , سوف تبقى الفجوة الحضارية بأشكالها العلمية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية …قائمة على المدى المنظور.
