ممدوح بيطار:
تترك الثقافة العربية قرنا وتدخل بآخر بنفس اللباس العائد الى قرون مضت , تبدو هذه الثقافة ويبدو الفكر المشدوه الحائر, مشدودا الى الماضي , الى النصوص الشمولية والى الغيبية , هناك خوف من الجديد , الذي تمكن الغرب بواسطته من تجديد الحياة في أقل من ثلاثة قرون , تجديد ضمن للغرب التفوق المطلق والى الأبد , انها نهاية التاريخ !!!, التي تعني لا أفول للغرب بعد اليوم , ولا اشراق للشرق العربي بعد اليوم , الغزالي ابدي ونيوتن ابدي , الهزيمة العربية الشرقية كانت عنوان القرون العديدة الأخيرة , وأصبحت عنوان الحاضر, وستكون عنوان المستقبل .
نريد فهم قصتكم ونريد استخلاص العبر منها , وذلك من أجل البعض الذي لم ينتحر كما انتحرتم , البعض يريد الدخول من باب النجاة , الذي دخل الغرب منه , باب العلمانية والحرية والديموقراطية والمساواة والانفتاح والتطوير , الذي اغلقتوه ببساطير عساكركم وسيوفكم وترددكم وأصوليتكم القامعة البشعىة المقرفة , ثم ترهات مشايخكم , وأحلام دولتكم الاسلامية , التي ماتت بعد ان تجرعت سم النصوص والحديث ,
قرن كامل انقضى , وأنتم تجاهدون من أجل جوهر الدين , الذي اراد اقامة دولة اسلامية , لأنها فرض عليكم من الله عز وجل , لاعتمادكم عليه عز وجل اسباب وموجبات , منها اعترافكم بقصور عقلكم , الذي سيضل ويتوه بدون توجيه الهي , طبعا عن طريق رجال الدين , عقولكم حسب اعترافكم قاصرة ولا تستطيع تدبير شؤون حياتكم , لذلك توكلتم على الله ورجاله … هنا خطر على بالي سؤال زنديق , هل اراد الله حقا دولة اسلامية في القرن العشرين او الحادي والعشرين ؟ , أو أن رجال الدين ارادوا هذه الدولة ؟, أظن بأنهم ضحكوا عليكم , انها دولة رجال الدين يامحترمين وليست دولة الله !
بالمقابل خذلتم العلمانية , بمسوغها المنطقي العقلاني , وموقفها الواضح من الحياة , وموضوعيتها وتطورها وديناميكيتها واحترامها للعقل ومقدرتها على ادارة شؤون الحياة بمعزل عن النص والحديث , خذلتم الوسيلة التي كان بامكانها انقاذكم , وضعتم العلمانية في اذهان الناس بمقولات فاشلة ومزيفة الا أنها مدغدغة لمشاعرهم …. لقد كان فصل الدين عن الدولة في اوروبا ضروريا , بسبب ظروف القمع الديني , الذي مارسته الكنيسة , الوضع مختلف بين المسلمين , اذ لاوجود للقمع الديني , لذلك لاحاجة للمؤمنين بالعلمانية .
على الرغم من مصداقية النصف الأول من المقولة ,جانبتم الحقيقة وتجنيتم عليها في النصف الثاني , لاشك بأن تعسف رجال الدين كان عاملا مهما من العوامل التي دفعت الأوروبيين للارتماء في احضان العلمانية , أما مقولة لاحاجة لكم بالعلمانية بسبب انتفاء القمع في بيئتكم الدينية , فهذا كلام معاتيه , ثم أن ربطكم ضرورة العلمانية بعامل واحد , هو دليل على نقص فاحش في عقولكم , وهذا ما تعترفون به , لذلك كان اللجوء الى المدبر القادر على كل شيئ , باستثناء هدايتكم المستعصية على أي مقدرة ,العلمانية ضرورة للجميع حتى بدون قمع مسبق , لاتهدف العلمانية فقط الى تحييد رجال الدين والدين وابعادهم عن ادارة الحياة الأرضية , العلمانية بالمفهوم الأشمل هي أطروحة فلسفية عامة وموقف فكري من الحياة , كل ذلك متمحور حول استقلالية العقل وحريته ورفض الهيمنة عليه , وبالتالي رفض اي شمولية كيانية , تريد احتكار الحقيقة والحق المطلق , اصطدم العقل مع رجال الدين في اوروبا , ونجح عمليا في تحقيق حياة أفضل, لقد نجح أيضا في انقاذ المسيحية من السقوط في الهاوية , التي سقطتم بها , أحوال المسيحية , في فضائها ممتازة , خاصة بعد تطورها باتجاه الدين الاجتماعي , الذي ضمن لها تأثيرا ليس بالقليل في المجال الحياتي .
جوهر العلمانية هو العقل ولا عقل يعقل بدون حرية واستقلالية ومقدرة على تسيير امور الحياة , العلمانية تؤكد اسبقية العقل على النص , مهما كان هذا النص , ووجوب خضوع أي نص له , وحتى مع الدين في عصر ما , لم تتم شرعنة وتحويل فكر ما الى ماسمي الوحي بدون ارادة العقل , عقل تلك الأزمنة صنع الدين , وعقل هذه الأزمنة لايريد الدين بالشكل المعروف , لذلك تحول عدد اللادينيين في العالم الى ثاني فئة من حيث العدد بعد المسيحية . العقل هو الذي اعطى النصوص شرعيتها , لذا يحق له محاكمتها ويحق له طردها واقالتها , اذ لاوجود لشرعية ابدية .
العقل قادر في هذا الزمن على اكتساب المعرفة والتمييز بين الخير والشر وتعريف القيم , قادر على التوصل الى الكثير من الأمور بدون تدخل الدين ,وهل احتاجت البشرية الى الدين عندما صعدت الى القمر ؟؟ الدين تحول من ميسر الى معيق معثر , العقل بقدراته الذاتية قادر على بناء النظام السياسي الملائم , نجاحاته ملموسة مقارنة مع فشل الاتكالية والاعتماد على الخالق او رسوله او غيرهم.
لقد انتحرت شعوب الاتكالية والقدرية , بينما الشعوب الأخرى تنعم بالحياة والحرية والاستقلالية , انتحرت !!! وهل من الممكن او الضروري تأبين شعوب تحولت الى فائض وفضلات بشرية ؟؟ , نفقت كالبعير الأجرب , وقبرت بكفن العار والتأخرية , والبشرية سعيدة بذلك ! , لأن هذه الشعوب أصبحت عالة عليها , كم اتمنى لو تحقق لهم ما وعدهم الله به من جنان ونسوان بالمئات , أظن على أنه ضحك عليهم , وباعهم ما لايباع من البضاعة الفاسدة فاقدة الصلاحية , هذا ما ارادوا!, وهذا ماكان لهم ! , ..غير مأسوف على فراقهم ,وحتى الرحمة لاتجوز عليهم ,ولماذا الترحم عليهم؟, وهم في جنانه أحياء يرزقون !
