ممدوح بيطار :
تمثل داعش الاسلاموية المكثفة , الأكثر اصولية وسلفية من بقية الفئات الاسلامية الأخرى , الا أن المحور واحد والخلفية واحدة والهدف واحد , الهدف هو الغاء التاريخ السوري , بقصد الانفراد في تمثيل سوريا وبلاد الشام حضاريا , ليس لديهم مايمكن مقارنته مع الحضارة السورية , وليس لديهم مايمكنه منافسة الحضارة السورية , لذلك الى تخريب وتدمير الآثار الحضارية السورية , موخرا تم اللجوء الى الأسماء والتسميات , لذا لابد من تسمية سوريا بالجمهورية العربية , وكأن هذه الجمهورية تعرف من العرب شيئا من الحضارة , التي انجزوها بالتناوب مع العثمانيين مؤخرا , لم يتركوا ورائهم سوى التصحر في بلاد كانت عامرة بالبنيان والتحضر قبل مجيئهم , ولماذا يجب تسمية سوريا بالجمهورية العربية , وما هو عربي في تاريخ سوريا , سوى النخاسة والجزية والطورقة وما جاء في العهدة العمرية المخزية.
تكونت في بلاد ما بين النهرين وصولا إلى المنطقة المحيطة لنهرى دجلة والفرات ,وبشكل عام في كل من العراق وسوريا أكبر مستودعات العالم تخزينا للتراث الحضاري فى العالم , على مدى السنوات الماضية, عانت الدولتان من حروب أهلية , التي لم تدمر الشعب فحسب , بل استغلت لتدمير التراث الثقافي القديم ,
المفارقة كانت يزعم الاسلاميون ومؤيدهم بأن داعش وشبيهاتها “ثورة” على الظلم والطغيان , داعش والفصائل يبشرون بالحرية والعدالة الاجتماعية وحتى العلمانية , التي ستأتي على يد هذه الفصائل , ولكن لماذا تدمير الآثار الثقافية والحضارية ؟, هل يخدم ذلك قضية الحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم الذي تكفلت داعش وغيرها من وحوش البادية بتحقيقه ؟ في ظل صمت مطبق ومطلق من قبل بقية الاخوان والاسلاميين , الذين صفقوا لداعش والفصائل , ولا يزالون يصفقون .
بالمقابل وصفت اليونسكو ما قاموا به جرائم حرب , ايضا بالمقابل فقد تم جمع ٧٥ مليون دولار بمبادرة فرنسية لحماية الآثار السورية -العراقية ووقعت ست دول أوروبية اتفاقا للحد من نهب الآثار واتلافها بحسب ما ذكر موقع net art news.
أقدم بالتالي عرضا موجزا للأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي في كل من سوريا والعراق , ففي سوريا تعرضت مواقع التراث الثقافى الستة المعتمدة للخطر بشكل رسمى منذ عام 2013, وتم الإبلاغ عن تعرضها للتلف في اذار ٢٠١٦, هذه المناطق تمثل محورا لكثير من تاريخ المنطقة الغنى الطويل, وإلى جانب ذلك فإن المواقع الأثرية القديمة مثل العاصمة الرومانية القديمة بصرى, والآشورية تل الشيخ حمد, إيبلا ومارى من العصر البرونزى , دورا يوروبوس, مجمع القلعة كراك دي شفالييه (الحصن ) فى القرون الوسطى , كما تعرضت المدن القديمة فى شمال غرب سوريا, بين حلب وإدلب للتلف.
فحلب , التي احتلها داعش عام ٢٠١٢ إلى ديسمبر ٢٠١٦, كانت واحدة من مفترق الطرق التجارية الرئيسية من الألفية الثانية ,كما أنها تضم القلعة التى تعود للقرن الـ ١٣, المسجد الكبير الذى بنى فى القرن الثانى عشر ,ثم الكنائس المسيحية فى القرن السادس عشر,أو غيرهم من المعالم التراثية , ووفقا لخريطة الأقمار الصناعية التى قامت بها اليونوسات, تضرر حوالي ٣٥٠٠٠ مبنى , وبحسب ما ذكره اليونسكو فأن تاريخ المدينة القديمة قد دمر , أما في الرقة التي احتلتها داعش عام ٢٠١٣ فقد تم تدمير مزارت ومواقع للحج الشيعي,
وفي تدمر , التي احتلتها داعش بين عام ٢٠١٥ وعام ٢٠١٦ للمرة الأولى وبين عام ٢٠١٦ وعام ٢٠١٧ للمرة الثانية , وفي اول احتلال دمر اسلاميو داعش الأسد اللات , وهو تمثال يبلغ من العمر ٢٠٠٠ سنة , كان يحرس في قديم الزمان معبدا خاصا للآلهة , وقد تم نقل العديد من القطع الأثرية المتواجدة داخل متحف تدمر الى أماكن أخرى من البلاد , ثم تم تدمير معبد شمسين وبعد ذلك تدمير قوس النصر ومتحف الفنون الشعبية وخلال احتلال داعش الثانى للمدينة, تم تدمير بقايا تيترابليون الرومانى القديم وجزء من مسرح رومانى قريب.
وفى العراق, تم تدمير ثلاثة من أصل أربعة مواقع للتراث الثقافى المسجلة رسميا , قامت داعش بحفر الأنفاق في الموصل ومواقع التراث الأخرى بحثا عن الآثار لبيعها على الإنترنت والسوق السوداء, وفي الحضر التي احتلتها داعش بين ٢٠١٤ و ٢٠١٧ تم تدمير ما بني فى القرن الثالث قبل الميلاد , الذي تميز بمزيج من الهندسة المعمارية اليونانية والرومانية والشرقية, وفى عام 2014, جرفت داعش المدينة, ونهبتها ثم أتلفتها, اما في الموصل , التي تم احتلالها عام ٢٠١٤ ,فقد تم حرق مكتبتها التاريخية ,على الرغم من جهود المواطنين لإبعاد المسلحين عنها بسلسلة بشرية , كما دمر ونهب قبرا يعتقد أنه ينتمى إلى النبى التونسى جوناه (من شهرة “جوناه والحوت”) ,فضلا عن بناء مخصص للقديس جورج, وفي نمرود التي تم احتلالها من قبل داعش مابين ٢٠١٤ و ٢٠١٦, والتي تقع على بعد ٢٠ميلا جنوب الموصل, نمرود العاصمة الملكية للإمبراطورية الآشورية الجديدة فى منتصف 800 قبل الميلاد, وظلت العاصمة الدينية حتى القرن السابع, وتتضمن المبانى الملكية الضخمة, التى كانت مزينة بالمنحوتات, والنقوش, والبلاط المزجج فقد تم تدمير ٨٠٪ من المباني , التي تحولت إلى ركام, لأنها حسب نظرة داعش وثنية , أما في نينوى فقد تم تدمير القصر الضخم للملك الآشوري سنحاريب , الذى تحول ٧٠٪ منه إلى ركام, كما دمرت جدران التحصين فى المدينة, التى تعود إلى ماقبل ٢٥٠٠ سنة, مصير حترة لم يختلف عن مصير غيرها
ترى اليونسكو, ان الهدف من تمير التراث كان بهدف محو التاريخ , نفسية وخلفية هذه الأعمال لاتختلف عن نفسية وخلفية تدمير الآثار البوذية (تورا بورا ) في افغانستان , ولا تختلف عن تدمير تركيا لمعبد دارة (شمين ) ولا عن تدمير الأهرامات , وفي كل هذه الحالات نكتشف خلفية دينية , فما سبب ذلك ؟؟ …يتبع
