بين العذرية والشرف ….

بمناسبة   النقاش   في   المغرب  بخصوص    صكوك   الشرف   الدموية 

تحتكر   المجتمعات  العربية  ممارسة   الاهتمام  بالعذرية ,  وذلك  الى   حد   الهوس  بالعذرية ,  والهوس  ببقاء    غشاء  البكارة  سليما ,   ليس  لأنه   للغشاء  قيمة  صحية   عضوية    أو  وظيفة   فيزيولوجية  , انما   لكون   الغشاء   معيارا   لما   هو   أهم  منه  بدرجات  , انه  معيار  للشرف   , وفقدانه  يعادل   في  بعض  الأوساط  فقدان  الشرف  , بينما   لايعني   فقدانه   أي  شيئ  له   علاقة بالشرف  في  المجتماعات الأخرى   , وحتى  عمليا   لاعلاقة  للشرف    بالعذرية , عندما  نعلم  بأن   أكثر  من  نصف  الذكور   مارس  الجنس   قبل  الزواج   , وأقل  من نصف  الاناث  مارس  الجنس   قبل  الزواج    حتى   في   الشرق  ,   لم  يقدم الحفاظ  على  العذرية  أي  فائدة , باستثناء   تنشيط  مبيعات  الغشاء  الصيني   بسعر  ١٥  دولار,  وتنشيط    عمليات  الترقيع   الجراحية     , أي  ترقيع  غشاء  البكارة   ,الأمر  بكامله كان  تكاذبا    ذاتيا   ودجل  ,  شاركهم  به دجالوا  مايسمى  الطبي   العربي   , أي ممارسة   الطب  من  قبل   اشخاص   لاعلاقة  لهم   بالطب  نظريا  أو  دراسة  او  ممارسة .

حتى وان  لم  تبلغ  هذه  المجتمعات  درجة  متقدمة  من   الوعي ,  يمكن  رصد    حركات  تمردية   كتعبير  عن   نمو   نوعا  من  الوعي   لدى  الفتاة  المعاصرة   ,  هناك  على  سبيل  المثال  حركة   “فرجي  ملك  لي “….اضافة  الى  ذلك   العديد  من  الحركات  والجمعيات  التي  تعتني   بالنساء   المعنفات   اللواتي  تعرضن     للعنف  وبالتلي  التمسنى   الحماية    اتقاء   لجرائم   الشرف ,  هذه  الحركات   ترفض   المعايير   التي    تروج  لها   الجهات  المحافظة  ,  كرجال   الدين , نتيجة  لذلك    تناقصت   أهمية   العذرية   كشرط   للزواج   , وتناقصت   المعايير  التي   تعتبر  العذرية   شهادة  شرف  دموية    , الأمر  بقي  على  سابقه  فقط  في  المجتمعات  القبلية  البدوية   وفي  مجتمعات   الحضر  المتبدون .

بعض  النساء   أصبحن  ضحايا  لاسطورة   العذرية  وعلاقة  الشرف   بغشاء  البكارة , فمسألة انتفاء   هذه  العلاقة  واضحة   , لا علاقة  للشرف  بأي  من  اعضاء  الجسد   , ولكن   من  الناحية  العضوية  , هل  للغشاء   أي  وظيفة  عضوية ؟,  بيولوجيا   يتعبر   علم  الطب  والأطباء  بأنه  لاوجود  لاستخدام  معين  لغشاء  البكارة   في  جسد   , ولا  فائدة  منه   في  جسد  المرأة , وسواء  وجد   أم  لم  يوجد ,  لاتأثير  لذلك  على  شرف  المرأة , ولا  تأثير  له  على    سلامة   الوظائف  الفيزيولوجية  في  جسدها ,    لابل   العكس من  ذلك  ,   فللهوس   بغشاء  البكارة   أضرار  بالغة  على    مسيرة  الحياة   الزوجية   , انه مؤزم   للعلاقة   الزوجية , ومعكر   للتفاهم  بين  الزوجين , وقد  يقود  الى  الفراق   , وفي  اسوء  الحالات  الى  ممارسة  العنف   الذي  قد  يصل   الى  الاعتداء  على  حياة  المرأة   …. قتلها   ليس   استثناء   .

انتبهت  منظمة  الصحة  العالمية  الى  هذا  الموضوع  ,وفي  عام   ٢٠١٨ , أوصت    بحظر  القيام  بما  يسمى   “اختبار  العذرية ”   الذي   تتعرض   له  الفتاة  في   بعض   المجتمعات ,  فمن  ناحية  عملية   لأاساس  علمي   لهذا  الاختبار,  ولا  يمكن    الجزم  عن  طريقه,   ان  كانت  الفتاة    قد  مارست  الجنس     قبل  الزواج   أو  لم  تمارسه   ,  اختبار  العذرية  هو  انتهاك   لحقوق   المرأة   الأساسية   , ثم  أنه  يحرم  المرأة   من  ممارسة  الجنس   قبل   الزواج  ,  الذي   تعود  ممارسته  الى  غريزيتها ,    يمثل   الاختبار   نوعا  من   الارهاب   الذي    يؤثر  سلبيا  على   صحة المرأة   النفسية  .

لقد أخضع   جسد   المرأة   لعملية   تدجين  وتنشئة   اجتماعية   , مضمونها   الرقابة  والضبط  , المنسجم  مع   الثقافة    التربوية ومعاييرها   الاجتماعية ,   الضبط   المحكم   يحول ملكية     جسدها    الى  مالك  آخر , وليس  ملكا  لها    ,  بل  ملكا  لغيرها , كما  هو  الحال  في  مجتمعاتنا  ,  انها  مخلوقة   لغيرها  وليس  لذاتها  ,  المرأة مستعبدة   من  قبل  مفاهيم   انوثة   لاتعود  ولا  تخحص  انوثتها   , مفاهيم  تعمل  على  تدجين   انوثتها   بالشكل  الذي  يريده مالكا   ,فمالكها    يريد كبح  جمام  شبقها  الجنسي   لذلك  يقوم  بختانها   ,ومالكها   يريد   رفع  مستوى  شرفه   , لذلك  يقتلها   لكي   يرتفع  اجتماعيا   , أي  يسقط  اخلاقيا   لكي     يرتفع  اجتماعيا   ,  يحجبها   لتأكيد ملكيته  لها   , يحمل  غشائها    حمولة   الشرف  والعفة   المؤسس  على  العذرية   ليرفع  من   مقامه   , وكما    نلاحظ   يحرص   المالك  الجديد  على   جمع    التناقضات  والضديات  مع  بعضها  البعض ,  ضدية تعاسة  المرأة  مع   سعادته  , ضدية  حصوله   على  الملذة     عن  طريق  حرمان  المرأة  من  الملذة …..

من  حيث  الآلية  لايختلف   الختان   عن  تحميل   الغشاء  للشرف   ,  الذي  يعود   بالنتيجة  الى  مالك  المرأة  ومالك غشائها     ,  الأمر  بالنهاية  هو  تهميش  وتشويه   لجسد  المرأة  وتحويلها  الى    ذيل  معاق , وكما  أنه ما من  علاقة   بين   الختان والعفة   ,  فلا وجود  لعلاقة  بين   الغشاء  والعفة   , لأن   العفة   لاتبدأ  بالجسد ,  أي  بالبظر  والغشاء   , بل  بالعقل  والارادة  والروح   ,  ختان  البنات    لم   يؤدي  الى  النتيجة   الي    انتظرها  البعض   ,  وتحميل   الغشاء  حمولة  الشرف   لم   يؤد    الى    ارتفاع   مستوى  الشرف  عندها  وبالتالي  عند  مالكها,  كل  مافي  الأمر   كان   الحاق   الأضرار  الجسيمة   بالمرأة   الانسان ,  التي  خلقت   على   أحسن تقويم  ,   وحولها   الانسان  الى  مخلوقة  على  أسوء  تقويم ,بشكل  عام  يمكن  القول   بأن  الثقافة  الذكورية   تتعامل  مع  جسد  المرأة   بوصفه   سلعة   قابلة  للبيع  والشراء    …للرهن  والاحتكار  والسلب  والكشف  والحجب  والوأد   ونزع   الشرف   او  امتلاكه ….  شرفك   غشاء   بكارتك  …يا  للعار

بسم الله الرحمن الرحيم

قال – تعالى -: ((إِنَّا أَنشَأنَاهُنَّ إِنشَاء* فَجَعَلنَاهُنَّ أَبكَاراً)) (الواقعة: 35، 36).

وقد جاء تفسير ذلك في قوله – تعالى -: ((لَم يَطمِثهُنَّ إِنسٌ قَبلَهُم وَلَا جَانُّ)) (الرحمن: 56).

ومعنى ((يَطمِثهُنَّ)) أي يفتضضهنّ.

قال الفراء: لا يقال (طمث) إلا إذا افتضّ [1].

وأصل معنى الطمث: دم الفرج [2].

وذكر ابن جرير – رحمه الله -: عن بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين، أن الطمث هو النكاح بالتدمية، وطمثها: إذا أدماها بالنكاح [3].

والمقصود: نفي القرب منهنّ على جهة الوطء، وأنهنّ أبكار لم يخالط موضع الطمث منهنّ إنس ولا جانّ.

وقيل: ((لَم يَطمِثهُنَّ)): لم يمسسهنّ، أي: مطلق المسّ، يقال: ما طمث هذه الناقة حَبلº أي ما مسّها عِقال [4].

قاله المبرّد [5]: الطمث: التذليلº أي لم يذللهنّ إنس قبلهم ولا جانّ.

وجميع هذه المعاني متقاربة، والأوّل هو الأشهر، والثاني والثالث أبلـغ، والله – تعالى -أعلم.

والبكارة: صفة كمال في المرأة المطلوبة للزواج، وهو أمر محبب لدى الرجال، بل إن الشارع الحكيم رغّب في نكاح البكر وحثّ عليه، لما فيه من المصالح، فقد أخرج البخاري في صحيحه.

عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: هلك أبي وترك سبع أو تسع بنات، فتزوجتُ امرأة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: ((تزوجت يا جابر))، قلت: نعم، قال: بكراً أم ثيّباً؟ قلت: ثيّباً، قال: هلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك)) [6].

وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه، أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((عليكم بالأبكارº فإنهنّ أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير)) [7].

وقد ضربت عائشة – رضي الله عنها – لذلك مثلاً، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟، قال: في التي لم يرتع منها.

تعني أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يتزوج بكراً غيرها [8].

فإذا كانت هذه هي منزلة الأبكار في هذه الدار التي لم يخلق أهلها إلا للعبادة، فكيف بدار الآخرة التي هي دار اللذة والنعيم المقيم؟!.

ولم يرد لفظ (الأبكار) في القرآن إلا في موضعين فقط.

الأوّل: قوله – تعالى -في سورة الواقعة: ((إِنَّا أَنشَأنَاهُنَّ إِنشَاء* فَجَعَلنَاهُنَّ أَبكَاراً)) (الواقعة: 36، 35) وقد سبق ذكره.

والموضع الثاني: قوله – تعالى – في سورة التحريم: ((عَسَى رَبٌّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجاً خَيراً مِّنكُنَّ مُسلِمَاتٍ, مٌّؤمِنَاتٍ, قَانِتَاتٍ, تَائِبَاتٍ, عَابِدَاتٍ, سَائِحَاتٍ, ثَيِّبَاتٍ, وَأَبكَاراً)) (التحريم: 5).

وقد جاء هذا الوصف في آية الواقعة مقدّماً على غيره من الأوصاف، بينما جاء في آية التحريم متأخراً.

وإنما قُدّم في آية الواقعة لأنّ الحديث فيها عن نساء الجنّة ونعيمها، وما فيها من اللذة والسرور، وغاية ما يطلبه أهل الجنة من نسائها لتحصيل كمال اللذة، أن يكن أبكاراً، ولذا ورد في الحديث أنّ أهل الجنّة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراً [9].

أما آية التحريم فإنّ الحديث فيها عن نساء الدنيا، وما ينبغي أن يتصفن به من الصفات الفاضلة، فناسب البدء بالصفات الإيمانيةº القلبية والعملية، إذ هي أوّل ما يطلبه المؤمن فيمن يختارها شريكة لحياته في الدنيا.

ويذكر كثير من المفسرين عند تفسير قوله – تعالى -: ((ثَيِّبَاتٍ, وَأَبكَاراً)) أن ذلك في الآخرة، لما أخرجه الطبراني وغيره أنّ الله وعد نبيه- صلى الله عليه وسلم – في هذه أن يزوجه بالثيب: آسية امرأة فرعون، وبالبكر: مريم بنت عمران، وأحاديث أخرى لا تخلو من ضعف، وسياق الآية يأبى ذلك من وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الله جمع ولم يفرد، ولو كان المراد آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران، لقال: (وثيباً وبكراً).

الوجه الثاني: أنّ آسية امرأة فرعون وإن كانت ثيباً في الدنياº إلا أنها في الآخرة تكون بكراً كما صح ذلك في الأحاديث من أن الله يعيد نساء الدنيا المؤمنات أبكاراً

الوجه الثالث: أن ما ذكره قبل ذلك من الصفاتº من الإسلام والإيمان والقنوت الخ إنما ينطبق على نساء الدنيا دون نساء الآخرة، فيكون قوله ((ثَيِّبَاتٍ, وَأَبكَاراً)) كذلك وصفاً لنساء الدنيا.

الوجه الرابع: أن قوله: ((عَسَى رَبٌّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ)) شرط، والشرط لا يلزم تحققه. وإن صح ما وعد الله به نبيه من تزويجه بآسية ومريم في الجنة، فإن ذلك حاصل سواء طلّق النبي أزواجه أم لم يطلقهن، فلا فائدة من تهديد أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم – بذلك.

وفي تقديم الثيبات على الأبكار مع استحقاق الأبكار للتقديم: بيان أن الخيرية فيهنّ بحسب العشرة ومحاسن الأخلاق [10].

فإن قيل: وهل ثمة نساء على وجه الأرض خير من أمهات المؤمنين ليُستبدل بهن؟ أجاب عن ذلك الزمخشري بقوله: ((إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياهº لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -، والنزول على هواه ورضاه، خيراً منهن)) [11].

وذكر الجانّ في قوله: ((إِنسٌ قَبلَهُم وَلَا جَانُّ)) يحتمل ثلاثة معان:

الأوّل: إمكان غشيان الجني للإنسية في الدنيا، ولذا جاء نفيه في الآية.

وله ثلاث صور:

الأولى: عند إتيان الرجل أهله دون أن يسمي، فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده إلى مجاهد أنه قال: إذا جامع الرجل ولم يسمّº انطوى الجانّ على إحليله فجامع معه، فذلك قوله: ((لَم يَطمِثهُنَّ إِنسٌ قَبلَهُم وَلَا جَانُّ)) [12].

والثانية: بالتراضي بين الطرفين نكاحاً أو سفاحاً، وقد ذكر ذلك جمع من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله -، فقال: وقد يتناكح الإنس والجنّ، ويولد بينهما ولد، وهذا كثير معروف، وقد ذكر العلماء ذلك وتكلموا عليه [13]

وممن ذكر ذلك: الحسن وقتادة والحكم وإسحاق وغيرهم [14].

والثالثة: عن طريق الاعتداء والإكراه، إما عبثاً كما يفعل سفهاء الإنس، وإما بغضاً ومجازاة بسبب أذى لحق بهم من الإنس[15]، وربما وقع ذلك بتسليط من شياطين الإنس من السحرة وأضرابهم إذا استعصت عليهم الإنسية، وكل ذلك كثير ومعروف كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.

المعنى الثاني: أنّ الإنسيات لم يمسسهن أحد من الإنس، والجنيات لم يمسسهن أحد من الجن، وفي هذا دليل على دخول مؤمني الجن الجنة.

المعنى الثالث: أن المراد المبالغة والتأكيد، كأنه – تعالى -قال: لم يطمثهن شيء على سبيل الإطلاق، وصرّح بذكر الإنس والجن لأنهما من يُعقل منهما طمث[16]، والله – تعالى -أعلم.

وهم العذرية في الثقافة الذكورية

 


 فئة :  مقالات

 

قادت التصورات السائدة عن الشرف والعفة وحفظ الفرج إلى الإعلاء من مفهوم العذرية، وارتبط هذا المفهوم بالمرأة من دون الرجل، كما هو الحال في غيره من المفاهيم الأخرى، فتعرف العذراء أو البتول أو البكر في الأصل على أنها المرأة التي لم تقم علاقة جنسية سابقًا، ومن هنا وصفت السيدة مريم بالعذراء في الديانتين المسيحية والإسلامية. والبتولية أو العذرية هي الحالة في كون المرأة بتولًا أو عذراء. أما في الاستخدام العام لكلمة بتولية، فيتسع ليتعدى ذلك جنس الشخص (سواء أكان رجلًا أو امرأة)؛ فقد يكون الرجل أيضًا بتولا، وهو الرجل الذي لم يقم علاقة جنسية سابقة، أو قد يستخدم هذا التعبير للحديث عن الأدوات أو الأشياء، كأن يقال “أرض عذراء” أي الأرض التي لم تطأها قدم إنسان من قبل. وقد حدّد إبراهيم محمود العذرية بوصفها رمزًا من رموز السلطة الذكورية في العمق المجتمعي، وهي رمز امتلاك الرجل للمرأة أصلا، “إذ يستحيل النظر في موضوعة العذرية إلا باعتبارها جنحة أنثوية مدمجة بها، تلاحقها كلعنة، وتوليفة الذكر الذي يتحرى الجسد في نطاق التفاوت القيمي، عبر دمغة تحيل إليه وتتهدد المرأة في جسدها، منذ البداية، الجسد الذي لا يمكنه الانتقال المرحلي من وضعية العذراء إلى وضعية المرأة إلا بتدشين احتفالي، طقوسي من قبل الذكر بالذات، وبشهادة الشهود، عبر رؤية الدم الأحمر الخاص، وما في ذلك من محاكمة لكينونة الجسد الأنثوي بالذات”[1].

تواطأت القوانين الدينية والمدنية والأعراف والتقاليد كلها مع الرجل، فأباحت له تجريم المرأة وجواز طلاقها، إذا اكتشف أنها ليست عذراء ليلة الزفاف

هكذا اختزل مفهوم العذراء، أو البتول، أو البكر، في غشاء البكارة، والبَكَارة بالفتح هي الجلدة التي على قُبل المرأة، وتسمى عذرة أيضًا والعذراء هي المرأة التي لم تفتض. والبكر هي التي لم يقربها رجل، ويقال للرجل بكر إذا لم يقرب امرأة، ومنه قول الرسول: “البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة”. هذا هو المعنى اللغوي للبكارة، ومن الواضح أنه يحيل على المرأة والرجل بالدلالة نفسها، غير أن التعريف الطبي يقصره على المرأة؛ لأنه يحاصره في الدلالة البيولوجية، فهو “عبارة عن غشاء موجود حول فتحة المهبل الخارجية، ويتكون من طبقتين رقيقتين من الجلد بينهما نسيج رخو غني بالأوعية الدموية وغشاء البكارة لا يكون مصمتًا إلا في حالات نادرة، وفي ما عدا ذلك تكون له فتحة تسمح بمرور دم الحيض إلى الخارج”[2]. وقد جرى تضخيم الطقوس التي تحتفي بهذا الغشاء، وبفضّه، بوصفه الدليل الوحيد على شرف المرأة، بل تعدى الأمر ذلك إلى حصره في رؤية الدماء ليلة الزفاف، فطالما هناك دماء فالمرأة شريفة، وتفوز بصك البراءة الذي يمنحها الرجل إياه، وإن كانت غير ذلك. أما إذا غابت الدماء لأي سبب كان، فالمرأة ليست شريفة، ولو كانت مريم العذراء. وهكذا ارتبطت العذرية بالمرأة من دون الرجل؛ لوجود دليل عليها، وهو غشاء البكارة، بينما ظل الرجل بمنأى عن مفهوم العذرية؛ لغياب الدليل على عذريته، وتواطأت القوانين الدينية والمدنية والأعراف والتقاليد كلها مع الرجل، فأباحت له تجريم المرأة وجواز طلاقها، إذا اكتشف أنها ليست عذراء ليلة الزفاف، وهذا ما حدث في قضية الشاب الفرنسي الذي تزوج من فتاة مغاربية على أنها عذراء، ثم اكتشف عكس ذلك ليلة الزفاف، فتقدّم بطلب إلى محكمة ليل التي قضت بالحكم لصالحه، وإعفائه من نفقات الطلاق، مما أثار فضيحة أخلاقية في فرنسة، فهبت الجمعيات النسائية، والثقافية للمطالبة بإلغاء هذا القرار الذي قد يسبب تراجعًا في مستوى الحريات في فرنسة[3]، بينما لا يوجد ما يبيح للمرأة طلاق زوجها إذا اكتشفت أنه غير أعذر، إذ لا دليل على افتضاض عذريته، ثم شجّعت قوانين جرائم الشرف، والعقوبات المخفضة لمن يرتكبها على ارتكاب الجرائم بحق النساء بدون أدلة واضحة، وشاع قتل الزوج لزوجته، أو أخته، أو ابنته، وحتى أمه، تحت مسمى جريمة شرف، مما شجع البعض على ارتكاب جرائم لدوافع أخرى، وتقديمها على أنها جرائم شرف، طالما أن القوانين تعاضد الرجل في هذا المجال.

إن ربط العذرية بالمعنى الحسي لها، المتمثل في غشاء البكارة يثير إشكاليات عديدة، فإذا كان الغشاء هو الدليل الوحيد على صون المرأة لجسدها وشرف الرجل، فما حال المرأة المتزوجة التي قدّمت دليل براءتها وعفتها، وصارت حِلّا من ذلك الختم الذي كان يختم جسدها، ما الذي سيضمن شرفها بعد ذلك وما الدليل عليه؟! وما حال المرأة المطلقة أو الأرملة التي فقدت عذريتها بطبيعة الحال؟! ثم إن ربط حفاظ المرأة على جسدها بشرف الرجل، خلق أيضًا إشكاليات عديدة، ونتج عنه فقد المرأة لحريتها، وامتلاكها من قبل الرجل، والتمييز الطبقي بين النساء أيضًا، وشرعن لسجن المرأة، وحجبها وكشفها وفقا لأهوائه، ووأدها خوفًا من جلبها العار له، وختانها لتخفيف شهوتها وحفظًا لها من ضياع شرفها الذي يعني شرفه.

عمّق التصور السابق عن مفهوم الشرف، وربطه بالمرأة تبعيتها للرجل، وحرمانها لأبسط حقوق الملكية، وهي ملكية الإنسان لجسده، فصارت المرأة لا تملك جسدها، بل سادت قطيعة بينها وبينه. ومنذ نعومة أظفارها تحاصر بمجموعة من القوانين والأعراف التي تنمّي لديها التعامل مع جسدها وكأنه أمانة عندها، أو أنه جزء غريب عنها، وعليها صونه والحفاظ عليه إلى أن يأتي صاحبه ومالكه الذي يحق له فتح أقفاله، وكشف مكنوناته. والويل لمن تحاول كشف المستور، وفتح الأقفال الموصدة بنفسها، فذلك سيلحق بها العقاب الذي يصل حدّ الموت. أما الرجل، فظل بعيدًا عن كل ذلك، وخاض تجربة اكتشاف جسده منذ نعومة أظفاره، وتعرّف على أسرار الجسد ورغائبه وأهوائه، بدون أن تحاصره القوانين والأعراف، أو يلحق به العقاب أيًّا كان نوعه. وقد تنبهت النسويات إلى هذه القضية، فها هي نانسي فرايدي تشير إلى الحرية التي يتمتع بها الطفل الذكر، وهو يمسك بعضوه، وتؤكد ذلك جيسي بوتر في تعليلها لإصابة البنات بالذعر إذا رغب الأولاد بلمس أعضائهن التناسلية، وعدم قدرة الأولاد على استيعاب ذلك؛ لأن الولد يلمس ذكره في كل مرة يريد التبول فيها، بل لا يقتصر الأمر على ذلك فالأولاد يمارسون الاستمناء على مرأى من بعضهم البعض بدون أدنى إحساس بالذنب، أو الخوف والخجل، بينما تعجز الطفلة الأنثى عن ذلك، إذ تتلقى أهم الدروس عن جسدها، ومن الشخص الذي يمكنه احتضانها أو إطعامها أو توجيهها، وتُنهر حينما تلمس عضوها التناسلي[4].

تعاملت الثقافة الذكورية مع الجسد الأنثوي بوصفه سلعة قابلة للبيع والشراء، والرهن والسلب، والكشف والحجب، والوأد الرمزي بعد غياب الوأد الفعلي بالإقصاء والإخفاء، والتصميت الشامل والمتكامل الذي أحال المرأة إلى مجرد مسخ ليس له ملامح أو صفات أو تفرّد[5]. ولعل أبرز مظهر من مظاهر الاستلاب الذي تعرضت له المرأة، هو عدم ملكيتها لجسدها، ويظهر ذلك واضحًا في تبعيتها للأب، أو للأخ، أو للزوج، أو حتى للابن في غياب الزوج. وأدى عدم امتلاك المرأة لجسدها إلى شرعنة مراقبة المجتمع للمرأة في كل حركاتها وسكناتها، وتحديدًا حياتها الجنسية، وعدّها أمرًا لا يخصها وحدها، لأنه مرتبط بشرف الرجل والعائلة، وهو ما أدى ويؤدي إلى جرائم الشرف. وفسّرت رجاء بن سلامة هذا الأمر من خلال ربطه بالصيغ العلائقية التي “تجعل جسد المرأة ملكًا للزوج أو الأسرة، وهي صيغ مترسبة من البنى المجتمعية التي كانت فيها المرأة موضوع تبادل بين الرجال لا ذاتًا داخل عمليات التبادل الاجتماعي، وهي صيغة… تؤدي إلى تكريس تصورات عتيقة للشرف، تربطه بالحياة الجنسية وتقصره عليها، وتجعل جسد المرأة مجال رأسمال رمزي للرجل، حيث إن شرفه لا يتلوث بما يعقده هو من علاقات، بل يتلوث بعلاقات قريباته الحقيقية أو المتخيلة برجال آخرين”[6].

وقاد ذلك إلى تسويغ العنف ضد المرأة، والتحايل عليه تحت مسميات عديدة؛ ففي “كل أنحاء العالم وفي كل لحظة، هناك نساء يغتصبن ويضربن وتسترقّ أجسادهن نتيجة الاتجار بها، وهناك نساء يتعرضن إلى الملاحقة والشتيمة والإهانة، ويعيّرن في الطرقات العامة، أو يعيّرهن الأقارب بأنهن عاهرات… فثقافة العنف ضد النساء هي التي تجعل الناس يعتقدون أن العنف ليس عنفًا، وهي التي تسمي العنف بأسماء أخرى هي حماية المرأة، أو تهذيبها، أو الدفاع عن الشرف والعرض والخصوصيات الثقافية… فثقافة العنف هي التي تجعل النساء والرجال لا يعتبرون العنف عنفًا، وهي التي تنتج احتقارًا منظمًا للمرأة ولجسدها، وحدًا لحريتها وطموحاتها”[7].

تعاملت الثقافة الذكورية مع الجسد الأنثوي بوصفه سلعة قابلة للبيع والشراء، والرهن والسلب، والكشف والحجب، والوأد الرمزي بعد غياب الوأد الفعلي

وإلى ذلك، فقد ارتبط العنف ضد المرأة بالتمييز والاحتقار للمرأة، إذ استهدفت المرأة بالعنف بوصفها أنثى لا بوصفها إنسانًا أو مواطنة، فهي تتعرض للعنف على أساس أنها كائن مؤذ، أو مصدر فتنة للرجال، أو تجلب العار إذا لم تحافظ على شرفها الذي هو شرف الرجل مالكها، وبلغ التمييز درجة جعلت حتى الشتائم الموجهة إلى الرجال، تحمل التمييز نفسه ضد النساء، فالرجل في مجتمعاتنا يشتم بالمخنث ونسواني ومأبون وغيرها[8]. ويؤدي الرجل دورًا سلبيًا في الحفاظ على شرف المرأة الذي يعدّه شرفه، فهو يتسم بالازدواجية والتناقض، فمن جهة يطالب المرأة بالحفاظ على شرفها من أجله، ومن جهة ثانية ينتهك شرف المرأة بالتحرش بها، والذي يصل إلى درجة الاغتصاب، فهو يريدها شريفة وعفيفة حينما يتعلق الأمر بذويه من النساء، حتى يظل شرفه في مأمن، ويريدها أن تستجيب لرغائبه ومتعه، حينما يلاحقها ويضايقها حتى في لقمة عيشها إلى أن تخضع له، وفي كلتا الحالتين يوجّه اللوم والإدانة إلى المرأة، وينسى أنه طرف في هذه العملية، بل إن الرجل هو الطرف الأكثر تأثيرًا في عملية التحرش الجنسي التي تنتهك كرامة المرأة وحقوقها، ولا سيما حينما تكون المرأة مجردة من المؤهلات، التي تمكّنها من مواجهة الرجل والتصدي له، وبخاصة إذا كان يمتلك زمام مصيرها بشكل أو بآخر، فإنها تسقط ضحية، ويرسّخ الرجل بذلك التراتبية الجنسية التي تجعل منه سيّدًا وصيادًا دائمًا، وتجعل من المرأة تابعة وفريسة منتظرة[9].

وكان لا بد من أن ينعكس ذلك الإرث الثقيل الواقع على المرأة في الآداب والفنون جميعها، وقد ظهر ذلك جليًا في العديد من الأعمال الأدبية والفنية، غير أن الكتابات النسوية احتفت بهذا الموضوع؛ أي الشرف والمرأة، وما يتصل به بطريقة مغايرة ومن وجهة نظر، ورؤية نسوية، فأعادت تمثيل ما لحق بالمرأة التي كبلتها العادات والتقاليد والأعراف والقوانين، وحاصرتها في إطار الجسد وفي جزء محدد منه، وكشفت عن الانتهاكات التي لحقت بها، ما أدى إلى تبني رؤية جديدة تمردت على المفاهيم السائدة حول المرأة والشرف، ونسفت عرض الحائط بالقدسية التي طالت بعض الأمور المتعلقة بالشرف كالعذرية وسخرت منها، عبر فضحها لعقلية الرجل الذي يستريح لرؤية الدماء التي توحي بالعذرية، والحفاظ على شرف الرجل والعائلة، بينما من الممكن أن لا تكون المرأة عذراء إطلاقًا، وقدّمت مفهومًا جديدًا للعذرية. وأكدت على هوية جسد المرأة وحقها في امتلاكه وحرية التصرف به.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *